No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا
لم تأتِ الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا من فراغ، فهي استندت إلى فكر وفلسفة القائد، والمفكر الأممي الكبير عبد الله أوجلان، الذي أعلن مشروع “الأمة الديمقراطية”، ومن خلال هذا الطرح، تحصل الشعوب والطوائف والأديان على حقوقها دون استثناء أو إقصاء أو تهميش لأحد.
هذه الإدارة تم بناؤها بتضحيات جسام، بلغت أكثر من 13 ألف شهيد، وما لا يقل عن 25 ألف جريح، ووقفت إلى جانب المجتمع الإيزيدي في محنتهم، إبان تعرضهم إلى هجوم وحشي وهمجي من مرتزقة “داعش”، حيث قام أبناء وبنات شمال وشرق سوريا، من أعضاء وحدات حماية الشعب YPG ووحدات حماية المرأة YPJ بفتح “ممر آمن”، من شنكال إلى روج آفا، وتم إنقاذ ما لا يقل عن 200 ألف إيزيدي من الإبادة.
الإدارة الذاتية، انبثقت من إرادة شعوب حرة، اتفقت فيما بينها، ومن خلال عقد اجتماعي على العيش معاً جنباً إلى جنب في السراء والضراء، والوقوف معاً في وجه أي اعتداء على مناطقنا، استطاعت أن تصبح نموذجاً يُحتذى به من أجل حل الصراعات والتناقضات القائمة في سوريا، وأيضاً في العديد من مناطق العالم، ويكفي أن نشير إلى ما قاله الفيلسوف الأميركي الكبير “نعوم تشومسكي”، عن هذه الإدارة بأن “مجرد بقائها واقفة على قدميها معجزة كبيرة”، فما بالنا بأنها تمد يد المساعدة لكافة أبناء سوريا.
قبل الأزمة السورية وبعدها
قبل بداية الأزمة في سوريا، كانت مناطق روج آفا ـ شمال وشرق سوريا، مكاناً آمناً استقرت فيه الآلاف المؤلفة من أبناء الشعب السوري، من مختلف الجغرافيا السورية، هناك آلاف الأسر التي جاءت من مختلف المدن السورية، إلى هذه المناطق من أجل العمل سواء في الرميلان أو الجبسة، أو غيرها من الأماكن، حيث أصبحت سوريا مصغّرة، يقطن فيها العربي، إلى جانب الكردي، والمسيحي، إلى جانب الإيزيدي، والعلوي إلى جانب السني، دون أن يكون هناك أي تفرقة أو كراهية أو حقد بينهم.
وهذا أمر طبيعي، إذ إن الشعوب التي تعايشت في مناطقنا، لا زالت تعيش في حالة الوئام والمحبة، حيث لا حقد ولا كراهية، ففي شمال وشرق سوريا، يسكن أبناء إدلب وحمص والساحل ودرعا والسويداء، وغيرها من المدن السورية، بحكم عملهم في الأجهزة الأمنية والعسكرية والمؤسسات المدنية، في المنطقة، إبان عهد النظام السوري السابق، ولم يكن هناك أي تطرف ضدهم، وحتى بعد أن بدأت الاحتجاجات، وخاصة بعد تأسيس الإدارة الذاتية، تم الحفاظ على حقوق الجميع، رغم سقوط النظام الذي كانوا يعملون لديه، ولم تكن هناك ردود فعل انتقامية لأي أحد من هؤلاء.
منذ اليوم الأول لانطلاق الاحتجاجات الشعبية في العاصمة السورية دمشق، منتصف آذار 2011، شارك أبناء شمال وشرق سوريا، في هذه الاحتجاجات السلمية، والتي سرعان ما حولها النظام البائد إلى حرب أهلية طاحنة، شاركت فيها فيما بعد أطراف إقليمية ومن ثم دولية، الأمر الذي دفع بعقلاء وحكماء المنطقة، إلى الابتعاد عن نيران هذه الحرب المستعرة، ورفض المشاركة فيها عبر انتهاج الخط الثالث، الذي ساهم إلى حد كبير في حماية مناطقنا، من القصف والتدمير والمعارك العبثية.
رغم ذلك، تم توجيه مرتزقة “داعش” إلى مهاجمة مناطقنا، فارتكبت المجازر بحق شعوب المنطقة، لكن الأمر هنا كان مختلفاً فقد كانت هناك وحدات حماية الشعب، ووحدات حماية المرأة، التي سطّرت ملاحم بطولية، في مواجهة جحافل الظلام، واستطاعت في كوباني أن تلحق بهم الخسائر الكبيرة، وتنتصر عليهم، وتجعل نصرهم بداية النهاية لإرهابهم، حتى كانت نهايتهم في الباغوز بدير الزور، عام 2019.
ورغم هذه الحروب والمعاناة والحصار المفروض، الا أن الإدارة الذاتية الديمقراطية فتحت أبوابها للإخوة العراقيين، الذين هربوا من بطش داعش، وأسكنتهم في مخيم الهول، كما أنها استقبلت المئات من الأسر اللبنانية التي هربت من جحيم الحرب التي اشتعلت بين إسرائيل وحزب الله، وتوجهوا إلى مناطق الإدارة الذاتية، التي قامت بتأمين مستلزمات الحياة واحتياجاتهم الأساسية.
أحداث الساحل السوري والسويداء المرعبة
بداية آذار 2025 تعرضت العديد من مدن وبلدات الساحل السوري، لهجمات ومجازر تحت حجة ملاحقة “فلول النظام”، حيث تم ارتكاب الكثير من المجازر البشعة، التي ترتقي إلى مستوى جرائم إبادة بحق الإنسانية، على أيدي المجموعات المتطرفة، التي انضوت تحت سقف ما يسمى بوزارة الدفاع السورية، بالإضافة إلى الآلاف من مرتزقة داعش، والمجموعات الإرهابية، المدعومة من تركيا، التي انضمت إلى ما يُسمى بالأمن العام، وظهرت هناك مقاطع واضحة وصور تُشير إلى شعار داعش على ملابسهم، حيث قاموا بعمليات إجرامية في طرطوس وبلداتها وقراها، وكذلك جبلة واللاذقية وأريافها، ولم تسلم حمص وحماة من إجرامهم.
هذه الأعمال دفعت القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى التواصل عبر الوسطاء مع الحكومة السورية الانتقالية، وتوقيع اتفاقية العاشر من آذار 2025، والتي نصت في البند الثالث على وقف إطلاق النار على الأراضي السورية، كما ذكر البند السابع على رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية، ومحاولة بث الفتنة بين شعوب ومكونات المجتمع السوري، وقد نددت الإدارة الذاتية بهذه الأعمال الإجرامية، وطالبت بضرورة محاسبة مرتكبيها وقامت بإرسال العديد من قوافل المساعدات الإنسانية إلى أهلنا في الساحل.
ما شهدته السويداء وقراها وبلداتها من تجييش إعلامي وتحريض على الكراهية والعنف، ضد أبناء الطائفة الدرزية الكريمة، التي كان لها مساهمات مشرّفة في بناء سوريا الحديثة، والدفاع عنها في وجه المحتل الغاصب، ويكفي أن نذكر أن القائد العام للثورة السورية الكبرى، سلطان باشا الأطرش، الذي انطلق بالثورة من “القريا” في جبل العرب، ضد الاحتلال الفرنسي، بينما رفع المجاهد صالح العلي، راية الثورة في الساحل السوري، وقاد لواء الثورة في الشمال إبراهيم هنانو.
ما جرى من ارتكاب مجازر بحق المدنيين وإعدامات ميدانية وجرائم تقشعر لها الأبدان، بالإضافة إلى الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الهمج الذين هاجموا السويداء وقراها، خلال الأيام الماضية، وخاصة إهانة أخوتنا الدروز بحلق شواربهم، ما شكل عاراً يضاف إلى جرائمهم البشعة السابقة بحق أهلنا في الساحل. وكما مدت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، يدها إلى أهلنا في الساحل وأرسلت مساعدات إنسانية وطبية عاجلة، بالإضافة إلى رفضها وتنديدها بهذه الجرائم، ومدت يدها أيضاً إلى أهلنا في السويداء، وقامت بإرسال مساعدات طبية عاجلة بالإضافة إلى موافقتها على فتح معبر إنساني آمن لإيصال المساعدات الغذائية والإنسانية العاجلة إلى السويداء وقراها المنكوبة.
نستنتج مما سبق، أن إرادة الشعوب الحرة، فوق كل اعتبار، وهي القوة الوحيدة في العالم القادرة على أن تكون الضمانة الحقيقية للأمن والاستقرار في أية بقعة من العالم، هذه الإرادة الحرة المتمثلة اليوم بالإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، عبر ميثاق العقد الاجتماعي، الذي شارك في صياغته ممثلو سائر الشعوب والطوائف والمذاهب والأديان الموجودة في هذه المناطق، دون استثناء أو تهميش أحد، تُعبّر عن حقيقة التعايش والدفاع المشترك، وتقبل الآخر، وأخوة الشعوب، التي لعبت عليها الأنظمة كثيراً في الشرق الأوسط، ما جعلها كتلة من النار التي أحرقت الأخضر واليابس، لم تكن تعني البشر فقط، إنما لم يسلم منها حتى النبات والحيوان، من خلال الحرائق وقطع الأشجار واقتلاعها وتدمير البيئة، بحيث تصبح غير قابلة للعيش.
لذا؛ فإن نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية، الذي مضى عليه أكثر من عقد في مناطق شمال وشرق سوريا، أثبت بأنه الحل الأمثل والنموذجي، من أجل الخروج من هذه المعمعة الدامية التي وإن استمرت، لا سمح الله، ستكون نتائجها وخيمة ليست على سوريا فحسب، بل ستتجاوز حدودها، لتطال دول الجوار.
No Result
View All Result