حمزة حرب
الساعة تقارب التاسعة من صباح يوم الأربعاء الـ 27 من تموز لعام 2016، صباحٌ لم يكن عادياً على مدينة قامشلو، صباحٌ لن ينساه أهالي المدينة، فكان الحدث مفصلياً لأنه حدث استثنائي، ليخيم الصدمة لبرهة من الزمن على أرجاء المدينة، التي هزها انفجارٌ لم تشهد له المدينة مثيل لم يفهم أحد ماذا حدث لأن الغبار الذي ناطح غيوم السماء حجب الرؤية عن الناظرين.
شاحنة مفخخة ضخمة، محمّلة بأطنان من المتفجرات، تسللت إلى قلب الحي الغربي، لتنفجر قرب مركز لقوى الأمن الداخلي، انقشع الغبار، وبانت الكارثة عشرات الشهداء من مدنيين وعسكريين، ونساءٌ وأطفالٌ، وعمال، ومارة، أجسادهم متناثرة على الطريق، دماؤهم امتزجت لتشكل سيلاً روى أرض مدينتهم، سيارات إسعافٍ وإطفاءٍ تحاول خرق الطريق، للعثور على ناجين محتملين، تحت الأنقاض، لحظة خاطفة ربما أوقفت الزمن لبرهة، والمنفذ مرتزقة داعش الإرهابي.

دقائقٌ عصيبة ومؤلمة
في تشرين الأول 2014، كانت كوباني على وشك السقوط، مرتزقة داعش تحاصرها من كل الاتجاهات، والعالم يتفرج، عشرات الدول عقدت مؤتمرات تبادلت الإدانات، لكن على الأرض الذين وقفوا في وجه داعش هم أبناء وبنات شمال وشرق سوريا.
وبعد أن منيت مرتزقة داعش، بأكبر انكساراتها في مدينة كوباني، التي شكلت نقطة انعطافٍ كبيرة في تاريخ تمدده الإرهابي، وحطمت كل آماله في السيطرة، باتوا يخططون ويحاولون ضرب قلب شمال وشرق سوريا، لبث الإرهاب في نفوس أبناء المنطقة، وكانت قامشلو، بحيويتها وتنوعها ومشروعها الديمقراطي، هدفاً دائماً لهم.
في ذروة الانهيار، حين كانت المدن تتحرر الواحدة تلو الأخرى، والرؤوس تُقطع في الساحات، والعالم ينظر مذهولًا خلف الشاشات، وُلدت من رحم الحاجة قوة لم تحسب لها الحسابات الدولية وزنًا، لكنها صنعت الفرق؛ إنها قوات سوريا الديمقراطية، القوة الوحيدة التي لم تدافع فقط عن نفسها، بل عن البشرية كلها، في مواجهة أكثر المرتزقة دموية وهمجية في القرن الحادي والعشرين.
لم يكن لدى “قسد”، طائرات حربية، ولا دبابات حديثة، ولا ميزانيات هائلة، كان لديها شيء واحد فقط، الإيمان بعدالة المعركة، في قرى كوباني، والحسكة، وتل تمر، حيث النساء يخبزن على الحطب، والرجال يزرعون الأرض في الصباح ويعودون في المساء إلى المتاريس، وُلدت المقاومة.
فالاعتداء الإرهابي على قامشلو، لم يكن عسكرياً فقط بل كان استهدافاً لفكرة ولمشروع ديمقراطي، لا يزال فتياً، يحاول كتابة سطر جديد في التاريخ السوري، في خضم معاناة ممتدة على كامل الجغرافية السورية، كان المشروع يتنامى ويشكل بارقة أمل لكل حالمٍ بالحرية والديمقراطية والتعددية.
إصرار بعد ألم
وبهذا السياق، تحدث الدكتور خالد جبر، الحقوقي والخبير في العلاقات الدولية، لصحيفتنا “روناهي”: “إن تفجير قامشلو شكل في حينه أول عملية إرهابية بهذا الحجم داخل قامشلو، وكان بمثابة إنذار مبكر لحجم الخطر الذي يشكله داعش، على أمن واستقرار المنطقة، لم يكن الهجوم فقط محاولة لإيقاع أكبر عدد ممكن من الشهداء، بل كان أيضًا رسالة ترهيب سياسي وأمني، تستهدف نموذج الإدارة الذاتية والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة”.
وخلال دقائق عصيبة انقلب الحي ركاماً، في لحظة دُمرت المحال التجارية، تناثرت قطع السيارات كأنها أوراق ممزقة، وتحولت الوجوه إلى دماء وغبار، وهرع رجال الإسعاف ومتطوعون من الأهالي إلى انتشال الجرحى، من تحت الأنقاض، كانت الجثث تُنقل بصمت لا وقت للانهيار، فالحياة هناك لا تتوقف حتى على وقع الكارثة.
في اليوم التالي للتفجير الإرهابي خرج الناس إلى الشوارع، حملوا صور الشهداء، وزرعوا الورود في موقع الانفجار، وأغلقوا الطرق أمام الحزن، وفتحوا الساحات للصمود والمقاومة والتصدي، بإيمانٍ مطلق إن درب الحرية يعبد بالتضحيات، وأنه لا مكان للانكسار لأنه يعني الهزيمة، وأكدوا بأن المقاومة هي الحياة.
لم يثنِ التفجير سكان قامشلو، عن متابعة مشروعهم الديمقراطي، على العكس تحولت المأساة دافعاً تعززت جهود الحماية الذاتية، وتوسعت شبكات البلديات، والمجالس المحلية، وبُنيت مراكز جديدة لقوى الأمن الداخلي، وتكثفت حملات التوعية المجتمعية، والتمسك بأهمية الحماية الذاتية للمجتمعات، والوقوف في وجه المخططات الإرهابية.
ففي تلك اللحظة العصيبة، عززت قوات سوريا الديمقراطية، والقوى الأمنية، حضورهما في الميدان فطوّقوا المكان، ونفذوا حملات تمشيط واعتقلوا مشتبهين بتقديم الدعم اللوجستي للخلايا النائمة، كان ذلك بداية تحوّل جذري في أسلوب التعامل مع التهديدات الأمنية داخل المدينة.
وزادت الإجراءات الأمنية، والحواجز تم تنشيط عملها بشكلٍ كبير، وتم تعزيز الخطوط الدفاعية، وتطوّرت آليات الرصد والمتابعة الاستخباراتية، فالحادثة شكلت نقطة تحوّل في العقل الأمني، بين ردّ الفعل والتوقع المسبق.
وحول ذلك، قال جبر: إنه “رغم الهزائم العسكرية التي مُني بها داعش، خلال السنوات الماضية، فإن خطره لا يزال قائمًا، إذ ما تزال خلاياه النائمة تنشط في بعض المناطق، وتحاول بين الحين والآخر تنفيذ هجمات انتحارية أو تفجيرات تستهدف البنية الأمنية والمدنية، مستفيدةً من أي فراغ أمني أو توتر سياسي”.
وأضاف: “الوقائع، أثبتت أن داعش لم يكن مجرد ظاهرة دينية متطرفة، بل أداة تستخدمها أطراف إقليمية ودولية لزعزعة الاستقرار في شمال وشرق سوريا، وتعطيل أي مشروع ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة، وهذا يطرح علامات استفهام حول من المستفيد من عودة داعش، أو على الأقل من بقائه كفزاعة تُستخدم لتبرير التدخلات، أو لتقويض مساعي الحل السياسي”.
في ذكرى التفجير، لم ترفع رايات الحزن فقط، بل رايات الأمل، فقامشلو، التي تنفض غبار الإرهاب لا بنسيانه بل بإدراكه وتحصين ذاتها من تكراره، لقد تحوّلت المدينة إلى رمزٍ للمقاومة، ونموذجٍ لصياغة مستقبل لا يُبنى على الثأر، بل على العدالة واليقظة والبناء.
حيث عملت الإدارة الذاتية، مدعومة من الأهالي وجعلت من التفجير فرصة لتطوير الذات، وتدريب طواقم الإسعاف، وتأسيس غرف عمليات مشتركة، وتفعيل شراكة أكبر مع المجتمع المدني، لمواجهة التطرف والإرهاب الذي لا تنفك مرتزقة داعش عن حبك المكائد لضرب الاستقرار والازدهار في المنطقة. فالسكان أصروا على المضي قدماً وخلال شهور أعيد ترميم الأبنية المتضررة، وشيد نصب تذكاري تخليداً لذكرى الشهداء، ومهرجانات نظّمت لتكريم المسعفين والمتطوعين، والمدارس فتحت أبوابها، والمتاجر عادت للحياة، لكن الذكرى الأليمة لا زالت تترك غصة في النفس، وهي طيف من رحلوا شهداء الإرهاب والتطرف.

داعش وخطر البقاء
داعش الإرهابي كان يدرك جيداً، أن جل ما يحتاجه لتنفيذ مخططاته المسمومة هو لحظة ضعف ومنطقة مهمّشة، يحتاج إلى خطاب كراهية، وموقف انتقامي، وهذا ما قد يتوفر له، إذا لم تتشكل سلطة مدنية ديمقراطية نابعة من المجتمع، وقادرة على ملء الفراغ الذي كان يخلفه النظام السابق، وأن يكون هناك عمل حقيقي فعلياً لا شكلياً.
التفجير لم ينتهِ في تموز 2016، لكنه فشل أن يكسر مدينةً صنعت من جراحها جسراً نحو حياةٍ أكثر عناداً وأملاً وكرامة، لكن رغم كل ذلك كان التفجير منطلقاً لدحر مرتزقة داعش، وملاحقته في آخر أوكاره في الباغوز، منهياً فصل خيالاته التي كان يروج لها، وأنهى حقبة من الظلم والاستبداد.
رغم تحرير مناطق واسعة من سيطرة “داعش”، إلا أن خلاياه ما زالت تشكّل تهديداً حقيقياً في مناطق متفرقة، التفجير كان تذكيراً دامياً بأن المعركة مع الإرهاب ليست فقط على الجبهات، بل في عمق المدن، وفي الوعي، وفي التربية، وفي اليقظة المجتمعية.
ففي آذار 2019، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، إسقاط آخر بقعة جغرافية تعلو فيها الرايات السوداء، وساد الاعتقاد الشعبي أن الكابوس انتهى، غير أن ما حدث بعد ذلك، حيث غير تكتيكاته وانتقل من معركة الجبهات إلى استراتيجية “الخلايا النائمة” و”الذئاب المنفردة”.
ورغم الحملات المتكررة، تظهر الخلايا مجددًا، فالأرض التي عانت من الفقر والتهميش والاستبداد، لا تزال بيئة خصبة للتطرف، تغذيها أطراف خارجية، وتُسقيها التناقضات السياسية، والانقسامات على الساحة السورية، فداعش يتغذى على هذا الواقع، ويتغلغل كمرضٍ خبيث، حيث يستفحل دون أن يبعث أي مؤشرات على وجوده.
وبخصوص ذلك، قال جبر: “ونحن إذ نحيي ذكرى الشهداء، الذين ارتقوا في تفجير قامشلو، نؤكد أن محاربة داعش لا تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل تتطلب أيضًا مواجهة فكره، ومصادر تمويله، وداعميه السياسيين، إلى جانب دعم جهود الاستقرار والبناء الديمقراطي في المنطقة”.





