No Result
View All Result
ناصر ناصرو (الرئيس المشترك لمجلس شباب سوريا الديمقراطية)
حين اشتعلت شرارة 19 تموز من قلب كوباني، لم تكن مجرد لحظة احتجاج أو تمرّدٍ عابر، بل كانت انفجارًا وعيًا جمعيًا عمّده الشباب بحناجرهم، وأرواحهم، وبأحلام ظلّت طويلًا مكمّمة في صدورهم، كانت بداية لعهد جديد، لا ينهار فيه جدار الظلم فحسب، بل يُعاد رسم الخريطة الاجتماعية والسياسية برؤية أجيالٍ نذرت نفسها من أجل الكرامة والحرية.
في ذلك اليوم، لم يخرج الشباب إلى الشوارع بدافع الغضب فقط، بل خرجوا حاملين إرثًا من القهر، وأملًا بعالم آخر، كانوا يحملون على أكتافهم ذاكرة المدن المحرومة، وأوجاع القرى المنسيّة، ومآسي الأمهات اللواتي بكين أبناءهن في أقبية السجون وفي طرقات النزوح، فكان لابد أن يقولوا: “كفى”. الشباب لم يكونوا جمهورًا يصفّق في الخلف، بل قادة تقدّموا الصفوف، ومهندسين لحلم التغيير، حفَروا خنادق المقاومة، بنَوا المؤسسات، حرَسوا أمن الأحياء، كتبوا المناهج، وأسّسوا الإعلام الحر، من جامعة روج آفا إلى أول نقطة طبية ميدانية، من الخلية التنظيمية في حارة صغيرة إلى المؤتمرات الدولية، كانت بصمات الشباب واضحة، وقلوبهم ممدودة على أكفّهم.
ولم تكن الثورة فقط إسقاطًا للنظام المركزي المتغوّل، بل كانت استعادةً للمعنى، معنى أن يكون للإنسان صوت، أن تُعاد صياغة العلاقة بين المواطن والأرض، أن تتشكل ديمقراطية حقيقية، من الأسفل إلى الأعلى، حيث الناس هم من يصنعون القرار.
لكن الثورة، ككل الكائنات الحيّة، لا تعيش على لحظة الانفجار فقط، بل تحتاج إلى روح تستمر، وعقول تُخطط، وسواعد لا تتعب، واليوم، بعد مرور أكثر من عقد على تلك اللحظة المفصلية، تعود الأسئلة الكبرى لتطلّ برأسها: هل انتهت الثورة؟ هل تحقّق الحلم؟
الجواب واضح في عيون الأمهات اللواتي ينتظرن أبناءهن من الجبهات، في دفاتر الطلّاب الذين يكتبون بلغتهم الأم، في خطوات الشابات اللواتي أصبحن قائدات، وفي كل مؤسسة تُدار بروح التشاركية والتعددية.
الثورة مستمرة، لا لأنها لم تكتمل بعد، بل لأنها لا تتوقّف عند إسقاط بنية قديمة، بل تبني كل يوم في صميمها الجديد: الوعي، والثقافة، والمؤسسات، والإنسان.
وإذ نقف اليوم على عتبة مرحلة جديدة، فإن المهمة لم تعد فقط إسقاط القديم، بل تثبيت الجديد، وهنا، نوجّه نداءنا إلى الجيل الجديد من الشابات والشبان: “كونوا رُسلًا للأمل، لا تتركوا الميادين فارغة، ولا تبيعوا دماء الشهداء في أسواق المساومات السياسية”.
عودوا إلى الناس، إلى الجذور، إلى الأحياء التي بدأنا منها، اسألوا أنفسكم كل يوم: “ماذا نفعل كي تبقى هذه الثورة حيّة؟”.
ابنوا، وواجهوا، ونظّموا، واصرخوا من جديد إن لزم الأمر.
فالحرية ليست لحظة، بل مسيرة.
والثورة ليست حدثًا، بل نمط حياة.
وما دام في هذه الأرض قلب شاب ينبض من أجلها، فثورة 19 تموز لن تنتهي بل ستبدأ من جديد، كل يوم، وكل جيل.
No Result
View All Result