زاوية كينونة المرأة ـ ليلى خالد
في هذه المرحلة العصيبة التي يعيشها المجتمع السوري، بات الحديث عن نبذ الطائفية ضرورة إنسانية قبل أن يكون مطلباً اجتماعياً أو سياسياً، خاصةً في بلدٍ تتعدد فيه الهويات وتتشابك الانتماءات، فالطائفية تخلق شرخاً يفصل أبناء المجتمع الواحد عن بعضه ويحولهم من أخوة في التراب والدم إلى خصوم تحكمهم أحقاد تاريخية أو مصالح سياسية، ليتحولوا إلى ألد الأعداء لبعضهم.
في هذه الحالة تكون حاجة الفرد والمجتمع للسلم الأهلي، ضرورة حتمية، لكنها لن تتحقق إلا بترميم الشرخ الحاصل، ففي سوريا اليوم نعيش نزعات طائفية وتطهير عرقي، وقد يودي بالمجتمع نحو الانقسام مع انتشار لحالات عدائية تعزز الثارات التي لا طائلة منها.
إنّ السلم الأهلي في المجتمعات التي مزقتها النزاعات والصراعات، حاجة وضرورة وجودية تعلو فيها صرخات الألم ونداء الاستغاثة، مطالبة بالنجاة وإرساء السلام وإيقاف جرائم القتل والانتهاكات وخطف النساء وقتل الأطفال لكلا الأطراف المتصارعة، والسعي لمد جسور الأمان، والسعي للمصالحات بالحوار والمصارحة العلنية الشفافة، لتنقية شوائب الأحقاد الطائفية وزرع الألفة والتآخي بالوعي والحكمة لبناء وطنٍ على أساس التكاملية بين مكونات المجتمع.
لن يتحقق السلم الأهلي في سوريا مع وجود فجوة فاصلة بين شعوبها، فسوريا تمتاز باختلاف شعوبها بطوائفها وإثنياتها، وهذا الاختلاف سر الوجود الإنساني وثروة عظيمة. لذا؛ علينا الحفاظ على هذه الثروة وإلا ستُفقد إن لم تدار بالحوار والانفتاح، فأي اختلاف بالكون أو الطبيعة أو الإنسان يعني التكامل وليس التناحر والانتقام، كلنا في المجتمع السوري بحاجة ماسة للأمان المفقود في أغلب المناطق للعيش بكرامة ضمن ثقافة وانتماء الفرد، للتحول من حالة الاغتراب الذي نعاني منه في وطننا لمواطن حر يتمتع بحق المواطنة في موطنه، ولكي أشعر أنني في وطني ولست غريبة عنه، علينا إعادة صياغة الحياة التربوية المجتمعية في توجيه سلوك الفرد منذ نعومة أظفاره وإشباعه القيم والمبادئ الإنسانية، لخلق أرضية السلم الأهلي ونبذ الطائفية، بدءاً من العائلة لفتح كل السبل الفعالة في تنمية المجتمع؛ لأن السلم الأهلي لا يمنح بل يبنى بالثقة والوعي لمواجهة الجهل والتعصب. فنحن في أمس الحاجة لقوانين وسياسات تحمي التنوع والاختلاف، وتفتح المجال أمام الجميع دون تمييز عرقي أو طائفي أو قومي في أجواء التناسق والتناغم معاً، للوصول إلى صنع القرار وإطلاق مبادرات تعزز نقاط الالتقاء بين جميع الشعوب للتعافي من التباعد المفرط الذي نعيشه في هذه المرحلة الحساسة.
نحن لم نختر الطائفة التي تمثلنا لكننا نستطيع اختيار سبل العيش معاً بسلام، لنرسم مستقبلاً خالياً من الأحقاد والثارات وإحياء ثقافة تقبل الآخر والاعتراف بقيمة وأهمية الفرد رغم اختلافه.
دور مجلس المرأة السورية في تحقيق السلم الأهلي محوري وأساسي، فكما غدت المرأة السورية الضحية الأكبر خلال السنوات الأربعة عشرة الماضية، فهي أيضاً صانعة السلام لأنها تمتلكه بالفطرة. لذا؛ من الضروري نبذ خطابات الكراهية وتكثيف ورشات العمل والجلسات الحوارية، وإنتاج مواد توعوية (منشورات ـ كتيبات – أفلام قصيرة) وتشكيل لجان للسلم الأهلي في كل المناطق، وتنظيم فعاليات مشتركة (مهرجانات ثقافية – حملات توعوية) والأهم من كل ذلك وكخطوة استراتيجية إدراج السلم الأهلي في المناهج الدراسية.