No Result
View All Result
د. طه علي أحمد
رُغم انطلاقة مشروع “الأمة الديمقراطية” لمعالجة قضايا الحاضر في الشرق الأوسط أملًا في مستقبل أفضل لشعوب المنطقة، إلا أن هذا المنحى لا يخلو من الغوص الدائم في عُمْق التاريخ حيث تكمن الحكمة، بل إنه مخزون لها ولخبرات لا تنتهي، أو هكذا يفهم من تتبع المفكر عبد الله أوجلان الدائم للجذور العميقة لقضايا الحاضر ومن ثم الخروج بمفاتيح الحل، فالتاريخ عنده يعد ركيزة نقدية ثقافية لطالما اعتُمد عليها في إعادة النظر في الأفكار التقليدية الشائعة في المنهج العلمي التجريبي، حيث يرتكز على التحليل النقدي للأحداث والتوجهات التاريخية؛ إذ دمج في دراساته بين التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وقد أسهم ذلك في توسيع الآفاق التي تعامل معها في فهم السياقات الاجتماعية والسياسية المتنوعة، وبشكل عام، فقد ارتكزت رؤية المفكر عبد الله أوجلان للتاريخ على عددٍ من المفاهيم التالية:
ـ التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث: بل عملية حيوية تتفاعل فيها القوى الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية. يرى أن كل فترة تاريخية لها تأثير على المستقبل.
ـ التاريخ كتعليم: فهو يؤمن بأن دراسة التاريخ تساعد الشعوب على فهم أنفسهم وهوياتهم، وبالتالي تعزز من قدرتهم على النضال من أجل حقوقهم.
ـ التاريخ والهوية: حيث يعكس التاريخ – كما يتصوره المفكر عبد الله أوجلان- الهوية الثقافية والسياسية للشعوب، وخاصةً بالنسبة للشعب الكردي، وهو يسعى لإبراز التجارب والتضحيات الكردية من خلال سرد وتحليل تاريخهم.
ـ النقد التاريخي: يقوم المفكر أوجلان بنقد السرديات التاريخية السائدة، مشيرًا إلى أهمية إعادة تفسير التاريخ من وجهات نظر مختلفة، خاصةً تلك التي تم تهميشها.
التاريخ والحرية: يرى المفكر أوجلان أن التاريخ مرتبط ارتباطًا وثيقًا بفكرة الحرية، وأن النضال التاريخي للشعوب هو جزء من سعيها نحو التحرر وتحقيق العدالة.
وفي هذا يقول المفكر عبد الله أوجلان: “إن التاريخُ الذي بين أيدينا لن يتضمن معاني أَبعد من “أكداسِ أحداث” (وهذا ما يحصل غالباً). ماهيةُ عِلمِ التاريخ المعيقةُ للمعرفة –بدلاً من أن تكون تعليمية– هي على صلةٍ وثيقة بهذه الخاصية، فسردُ التاريخِ على أنه محضُ انسكاب تعدادي متوالٍ لظواهر مختلفة كالدين، السلالة، الملك، الحرب والقوم وغيرها؛ وبدلاً من أن يفيد في تعليم التطور الاجتماعي، فإنه يعبِّرُ عن المساعي الأيديولوجية التي تهدف إلى إسدالٍ متَعَمَّدٍ للستار عليه بغية إعاقة تَعَلُّمِه، وترمي إلى إعداد الذاكرة المجتمعية وفق مشيئة أصحاب السلطة والاستغلال. وهذه الأنماط من السرود ليست سوى أدواتٍ دعائية متبقية من القديم الغابر، وتُستَخدَمُ بهدفِ تأمين الشرعية وتأسيسها على ركائز أيديولوجية بنسبة مُعَيِّنةٍ قصوى. وبالتالي، فإن التاريخ لا يخص الدول بأنظمتها وتطوّرها السياسي بقدر تناوله تطوّرات الشعوب وتقدمها، فالدولة من الممكن أن تزول لكن الشعب باق، وربّما الشعب الذي لا يملك دولة تبنى له دولة ويخضع للتطوّر السياسي، وإن التاريخ السياسي لا يخص الدول وحدها، فمن الممكن أن تُثار أحداث سياسية للقبائل والإمارات والشعوب، وعليه فكردستان وشعبها يمتلك إرثاً وتاريخاً سياسياً وثقافياً في نظر أوجلان الذي يرى أن التاريخ يسير وفق مسار ثابت قد لا تتشابه أحداثه إلا أنها لا تختلف كثيراً، فعملية التطهير التي وقعت ضد المسلمين واليهود في إسبانيا لا تختلف عن تلك التي حصلت في الأناضول.
ولم يكن النقد التاريخي، أو حتى التاريخ النقدي الذي تأسس عليه طرح “الأمة الديمقراطية” مجرد تجميع للأحداث بل هو عملية معقدة من التفاعلات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. وانطلاقاً من ذلك، فإنه إلى تطور المجتمعات البشرية على أنه انعكاس لصراعٍ دائم بين القوى المهيمنة وبين القوى المُستضعَفة أو المعارضة، ذلك أن التفاعل بين هذه القوى هو الذي يقود المجتمع نحو التغيير والتحول. وبذلك، يتم تحليل التاريخ باعتباره ساحة للصراع المستمر بين الظالمين والمظلومين، وهو ما يتطلب في النهاية ثورة اجتماعية لتحرير الشعوب المستعمَرة، وقد لاحظ أن الصراع الطبقي ليس محصورًا فقط في الكفاح ضد الطبقات الحاكمة أو الرأسمالية، بل يرتبط أيضًا بالصراع ضد الأنظمة القومية التي تفرّق بين الشعوب بناءً على الهويات العرقية والدينية، وقد ارتبط ذلك بإدراكه للصلة العميقة بين استغلال الإنسان للطبيعة وبين الصراع الطبقي.
ما سبق، ما هو إلا دلالةً واضحةً على أهمية التاريخ كأحد روافد فهم قضايا الحاضر ومعالجتها وما يتفرع منها، فما الحداثة ودولتها القومية سوى امتدادًا لانحدار البشرية التي خرجت من العصر الأمومي إلى آتون الذكورية السلطوية التي تكرَّسَت عبر العديد من الممارسات الخبيثة وأبرزها ظاهرة “الاستعمار” وإن اختلفت أشكاله بين الماضي والحاضر.
الغاية إذن، أن فهم القضايا التي يعاني منها المواطن السوري، والشرق – أوسطي، بل وأبعد من ذلك يتطلب تتبعًا تاريخيًا فاحصًا للوقوف على الأسباب والمألات، في هذا تتساوى القضية الكردية، والفلسطينية بل وإشكالية الدروز وغيرهم حتى نمضي نحو المستقبل بخطى وأفكار ثابتة.
بعبارة أخرى، لا يتصور تحليلاً وفهماً جاداً لتاريخ قضايا الكرد والفلسطينيين وإشكاليات الدروز بعيداً عن فهمٍ أعمق وتتبع سردي لتاريخ هذه القضايا كما تأسس يتجلى من أصداء “الأمة الديمقراطية”، للترسخ في أذهاننا حكمة مفادُها “بالتاريخ نفهم الحاضر ونقفز نحو المستقبل” كدرسٍ أوجلاني أصيل.
No Result
View All Result