محمد عيسى
في شهر تموز الذي يُفترض فيه أن يحمل بشائرَ الحصادِ، اشتعلت الغابات في جبال الساحل السوريّ من بيت الوالي إلى كسب، لتلتهم بشراهةٍ عشرات آلاف الأشجار، وتنهار بيوت من طينٍ وخشب. وبين روايات المناخ ونظريات المؤامرة، تأتي الوقائع صادمة ومروعة في مشهدٍ يتكرّر كلّ عام، ويبدو أنّه لن يتوقف حتى يُفرغ الساحل من أهله، وشجره، وتاريخه.
كارثة بيئيّة أم أداة تهجير؟
في يوم الثالث من تموز 2025، استفاقت قرى بيت الوالي وقسطل معاف وكسب في ريف اللاذقية الشمالي على مشهد لا يشبه الصيف السوريّ المعتاد: دخان كثيف يحجبُ الأفق، وألسنة نار تتسلّق الأشجار وكأنّها تبتلع الذاكرة نفسها. بعد مرور أسبوع، كانت الحصيلة الأوليّة تشير إلى احتراق أكثر من 15 ألف هكتار من الغابات والبساتين، وتهجير نحو 1,900 عائلة، وانهيار منظومة بيئيّة وإنسانية كاملة، بلا إنذار ولا رحمة.
ففي لحظة يُفترض أن تبدأ فيها سوريا مرحلة تعافٍ وإعادة بناء بعد أربعة عشر عاماً من الدم والخراب، تعود صور المأساة إلى الواجهة، وهذه المرة من بوابة “الكارثة الطبيعيّة”. غير أنَّ كثافة النيران، واختيار المناطق، وسرعة التمدّد، وتكرار السيناريو، كل ذلك يُخرج الحرائق من حقل المناخ إلى حقول أخرى: الأمن، الديمغرافيّا، الاقتصاد، والطائفة.
في 7 تموز، أعلن مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانيّة (OCHA) أنّ الحرائق دمّرت قرى بيت الوالي وقسطل معاف وكسب بالكامل، وقطعت طرقاً حيويّة وأوقفت أربع محطات ضخ مياه كانت تغذّي 25 بلدة ريفية. كما أُغلِق معبر كسب الحدوديّ مع تركيا “لأسباب أمنية” بعدما اقتربت النيران من السياج الحدوديّ.
ما يلفت الانتباه في بيان المكتب الأمميّ ليس فقط حجم الدمار، بل تسلسل الأحداث: اندلاع الحرائق في مناطق محددة ذات غطاء حراجيّ كثيف، توقّف محطات مياه، إغلاق المعابر، ثم نزوح. السيناريو ذاته الذي حصل سابقاً في حرائق 2020 و2021 يعاد تكراره، لكن بوتيرة أعنف. فما الهدف؟
تقول نائبة المبعوث الأمميّ إلى سوريا، نجاة رشدي: “نحن أمام كارثة طبيعيّة متضخمة بعوامل بشريّة وبيئيّة؛ أي تأخير في التنسيق الدولي يعني خسارة غطاء حراجيّ لن يُعوَّض لعقود”. هذا التصريح، رغم ما يبدو عليه من حياد، يُشير إلى أن هناك من “ضخّم” الكارثة، أي أن العوامل البشريّة كانت حاضرة – بشكلٍ مباشر أو غير مباشر – في تسريع الخراب.
المجموعات المتطرفة في الواجهة
أصدرت مجموعة “سرايا أنصار السنة” في السادس من تموز 2025، بياناً تبنّى فيه بشكلٍ مباشرٍ إشعالَ بؤر حراجيّة في منطقة قسطل معاف شمال ريف اللاذقية، مبرِّراً فعلته بـ”إرغام الكفار على الرحيل”، وفق ما ورد في نص البيان الذي استند إلى فتوى أصدرها زعيم المجموعة المعروفة بلقب “أبو الفتح الشاميّ”. ورغم أنّ هذه المجموعة تعد من المجموعات المتشددة الهامشيّة من حيث العددِ والانتشار، إلا أنّ دلالاتِ هذا الإعلان لا يمكن فصلها عن المشهد العام الذي يشهده الساحل السوريّ في هذه المرحلة الحرجة.
البيان جاء في توقيتٍ بالغِ الحساسيّة، بعد أيام قليلة فقط من اندلاع موجة الحرائق الواسعة في جبال ريف اللاذقية، والتي التهمت أكثر من 15 ألف هكتار من الغابات والبساتين، ودفعت ما لا يقل عن 1900 عائلة للنزوح من قراها نحو مدن الساحل أو مناطق الجبال الداخليّة. ومن هنا، بدا هذا الإعلان كحلقةٍ متقدمةٍ ضمن سلسلة تهدفُ إلى تأجيج التوترات الطائفيّة، وإحداث تغييرات جذريّة في التركيبة السكانيّة للمنطقة.
تزامناً مع ذلك، بدأت بعض الحسابات التابعة لمجموعات المعارضة المتشددة، خاصةً على منصات “تلغرام” و”إكس»، بالترويج لفكرة إعادة ترسيم إداريّ للمنطقة الساحليّة، من خلال دمج مدن كسب وقسطل معاف ورأس البسيط ضمن محافظة إدلب. ويُقدَّم هذا الطرح تحت لافتة “تحقيق توازن اقتصاديّ ومنفذ بحريّ للدولة السنّية”، وهو ما يعكس مشروعاً واضح المعالم يقوم على تقطيع الجغرافيا السوريّة بناءً على الانتماء المذهبيّ.
ورغم أنّ هذه الاقتراحات لا تحظى بأيّ صفة رسميّة، إلا أنّ مجرد طرحها بالتزامن مع كارثة الحرائق يكشف نوايا مقلقة تجاه الساحل السوريّ، الذي يشكّل منذ خمسينيات القرن الماضي الخزان الديمغرافيّ والسياسيّ الرئيسيّ للشعب العلوي ومنطقة تماس تاريخيّة في وجه أيّ محاولة للفرز الطائفيّ أو التفكيك الجغرافيّ.
مَنْ المستفيد من الحريق؟
في روايةٍ مقابلةٍ، يتهم ناشطون علويون الحكومةَ الانتقاليّة نفسها بـ”الإهمال المتعمد”، خاصةً بعد تقليصِ فرق الإطفاء المحليّة، ونقل عدد من سياراتِ الإطفاء إلى إدلب في إطار ما قيل إنّها “إعادة هيكلة إداريّة”. ونتيجة لذلك، فقدتِ القرى المحترقة قدرتها على احتواء النيران منذ لحظاتها الأولى، ما جعل النيران تنتشر ولا موانع من تمددها.
المفارقة أن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح أكّد أن “أكثر من 150 فريق إطفاء و16 مروحية من سوريا وتركيا والأردن ولبنان” يشاركون في عمليات الإطفاء، لكن لماذا لم يتم تفعيل هذه الفرق منذ الساعات الأولى؟ ولماذا لم يتم تحذير السكان مسبقاً رغم أن درجات الحرارة كانت معروفة ومتوقعة؟
الحريق – إذن – لم يكن مباغتاً تماماً. بل كان متوقَّعاً، وكان يمكن التخفيف من أثره، لو توفّرت النية. وهنا، يعود السؤال: من المستفيد من تفريغ القرى العلويّة من سكانها؟ ومن المستفيد من تدمير الغابات التي كانت مصدر رزق للسكان ومكان حمايتهم التاريخية من الصراعات والمداهمات؟
وبحسب إدارة الهجرة في طرطوس، تم استقبال نحو 300 نازح خلال أسبوع واحد فقط، من قرى بيت الوالي وكسب وقسطل معاف. ورغم ضآلة الرقم مقارنةً بالأعداد الكاملة للنازحين (1900 عائلة)، فإنّ اللافت هو إقامة مراكز إيواء موقتة في جبلة وطرطوس، ما يشير إلى تحوّل أزمة الحرائق إلى موجةِ نزوح جديدة.
البيوت التي سكنها هؤلاء في الجبال، كانت من الطين والخشب والحجر. بسيطة، لكنها آمنة. والآن، صارت رماداً. وبينما تتداول صفحات محليّة إشاعات عن عروض شراء من “مستثمرين خارجيين” للأراضي المحروقة بأسعار بخسة، يتكرّس الشعور بأنّ هناك مشروعاً متكاملاً لحرق الأرض وشرائها، فيما يشبه نسخة ساحليّة من مشروع “حزام بيروت” أو “عقارات جبل محسن” أو حتى “قانون تملك غير السوريّين” الذي استُخدم لتغيير هوية الساحل. وهكذا، لم تعد الحرائق مجرّد “كوارث طبيعيّة”، بل أدوات ممنهجة لإحداث تغيير سكانيّ واقتصاديّ، ضمن سياسة التهجير والتجويع والتهميش.
من يُطفئ النيران.. حين يخون الجار؟
ومن أجل مواجهة هذا السيناريو الكارثيّ، برزت لفتة تضامنيّة بارزة من الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، التي أعلنت في 8 تموز إرسال قافلة دعم عاجلة إلى مناطق الساحل السوريّ، لتقديم المساعدة في إخماد النيران وحماية السكان. ضمّت القافلة 150 فرداً من كوادر الإطفاء المدرّبة، بالإضافة إلى 18 سيارة إطفاء مجهّزة جاءت من مقاطعات الفرات، الجزيرة، الطبقة والرقة، كما رافق القافلة سيارتا إسعاف بطواقمهما الطبيّة، وصهريجان للوقود، وجرافتان، وعدد من سيارات الخدمة والمعدّات الهندسيّة واللوجستيّة الضروريّة لعمليات الإطفاء والدعم الطارئ.
هذا التحرك الفوريّ من مناطق الإدارة الذاتيّة، رغم بعدها الجغرافيّ واختلاف تركيبتها السكانيّة، يعكس بعداً إنسانيّاً ووطنيّاً نادراً في هذا الزمن السوريّ المنقسم، فقد أثبتت الإدارة مراراً، في مواقف الزلازل والكوارث السابقة، أنها تتجاوز الاصطفافات الطائفيّة والمصالح السياسيّة الضيقة، لتضع مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار. غير أنّ المفارقة الصادمة تكمن في غياب أيّ مبادرات مماثلة من المناطق المجاورة ذات الغالبية السُنّية، كإدلب، حلب، إعزاز أو الباب. ليس فقط لم تُرسل تلك المناطق أيّ فرق دعم أو سيارات إطفاء، بل إن بعض المجموعات المتطرفة فيها – وعلى رأسها مجموعة “سرايا أنصار السنة”– تفاخر علناً بمشاركته في إشعال بعض بؤر الحرائق، بوصفها “عملًا جهادياً ضد الكفار”. هذا التناقض الصارخ يطرح تساؤلات حادة: هل نحن أمام حالة تواطؤٍ صامتٍ مع مشروع تهجير طائفيّ؟ وهل باتت الإبادة تُمارَس لا بالرصاص، بل بالنار الصامتة التي تلتهم الغابات والأرزاق والمجتمعات؟
هنا، لا نتحدث فقط عن احتراق بيئة، بل عن نموذج واضح من “الإبادة الإيكولوجيّة” الممنهجة، حيث يُستهدف المكوّن البشريّ من خلال إحراق موطنه التاريخيّ، وتجفيف مصادر رزقه، ودفعه نحو النزوح القسريّ والتنازل عن أرضه المحروقة، تمهيداً لبيعها أو إعادة توزيعها وفق خرائط طائفيّة جديدة.
الغابة.. الحصن الأخير
لم تكن الغابة في الساحل السوريّ مجردَّ فضاءٍ طبيعيّ أو مساحات خضراء تُضفي جمالاً على الجغرافيا، بل كانت بالنسبة إلى آلاف السكان، خاصة أبناء القرى العلويّة في ريف اللاذقية، مأوى حقيقيّاً ومنطقة حماية مجتمعيّة غير معلنة. منذ سيطرة هيئة تحرير الشام على الحكم في دمشق بتاريخ 8 كانون الأول 2024، تغيّر المشهد الأمنيّ في الساحل بشكل جذريّ. توالت الانتهاكات بحق سكان المنطقة، بدءاً من فرض أنماط جديدة من الحكم والإدارة، وصولاً إلى حملات اعتقال متكررة، ومضايقات طالت الأسر التي تنتمي إلى خلفياتٍ طائفيّة مستهدفة.
بلغ هذا التصعيد ذروته في السادس من آذار 2025، حين ارتُكبت مجازر مروعة في قرى متفرقة من ريف اللاذقية، على يد مجموعات عسكريّة منضوية في إطار وزارة الدفاع التابعة للحكومة السورية الانتقالية. وقُتل حينها العشرات، واضطر المئاتُ من السكانِ للفرار من منازلهم، متخذين من الغاباتِ الكثيفة ملاذاً آمناً من العنف، حافظاً لكرامتهم ووجودهم.
في هذا السياق، لم تكن الغابات مجرد طبيعة، بل كانت بيتاً، وسقياً، ومصدراً للرزق، ودرعاً اجتماعيّاً. ولذلك، فإنّ حرائق تموز 2025، التي أتت على أكثر من 15 ألف هكتار من الغطاء النباتيّ، لم تكن مجرد كارثة مناخيّة عابرة، بل فاجعة مركّبة، تستهدف الأرض والإنسان معاً. إحراق الغابات في كسب وبيت الوالي وقسطل معاف لم يُفقد السكان موردهم الطبيعيّ فحسب، بل دمّر كذلك مساحة الحماية التي احتموا بها بعد مجازر آذار، وفتح الباب أمام موجة تهجير جديدة تطال من تبقّى.
بهذا المعنى، لا يمكن النظر إلى هذه الحرائق إلا كجزءٍ من سياسةٍ ممنهجةٍ لإفراغ المنطقة، وإزالة ما تبقى من ملامح الاستقرار فيها، سواء عبر التهجير المباشر أو عبر حرق الغابة التي كانت تمثل آخر حصن صامت لهؤلاء الناس.
ما بعد الرماد..!
في مشهدِ الحرائق الكبرى التي اجتاحت ريف اللاذقية منذ مطلع تموز 2025، لم يكن الرماد هو النهاية، بل البداية لمرحلة أكثر خطورة، فقد بات واضحاً أنَّ ما جرى لم يكن نتيجة عارضة لارتفاع درجات الحرارة أو هبّات الرياح، بل فعلاً مقصوداً وممنهجاً، استهدف الغابات والأراضي الزراعيّة في مناطق محددة بدقة، تكررت فيها الكوارث ذاتها في السنوات الأخيرة، وفي التوقيت ذاته تقريباً.
امتداد النيران السريع، وتعدد بؤر الاشتعال، وتزامنها مع تصريحات ومواقف وتحركات على الأرض – من بينها تبنّي مجموعات متطرفة مسؤوليتها عن إشعال الحرائق؛ كلّ ذلك يؤكد أنَّ الهدف لم يكن الطبيعة وحدها، بل ما ومن يسكن تلك الطبيعة. لقد تحوّل الساحل السوريّ إلى هدف مباشر ضمن مشروع متكامل يرمي إلى إعادة تشكيله ديمغرافيّاً وجغرافيّاً. تُحرق الغابات لتُباع الأراضي المحروقة، وتُجبر العائلات على النزوح، فيما تتقدّم مشاريع مشبوهة لتقسيم إداريّ جديد يمنح منفذاً بحريّاً لقوى مذهبيّة مسلّحة، تحت غطاء “الدولة السنّيّة”. وبين الخرائط الجديدة التي تُرسم بصمت، والأراضي التي تُعرض للبيع بعد أن صارت رماداً، يختفي وجه الساحل كما عرفه أبناؤه لعقود: الغابة التي كانت بيتاً، والقرية التي كانت مأوى، واللغة التي كانت ذاكرة.
كان ما لا يمكن إحراقه هو كرامة الناس، وما لا يمكن شراؤه هو إرادتهم. فالساحل الذي أُضرِمَت فيه النيران ظلماً، قد يشتعلُ فيه الغضب يوماً، لا ليحرقَ الغابة هذه المرة، بل ليفضحَ من أراد اقتلاع أهله وتحويل أرضهم إلى سلعةٍ؛ لأنَّ ما يشتعلُ في القلوب حين تُهان الكرامة، أقوى من كل حرائقهم المفتعلة، وأبقى من رمادهم المؤقت.