روناهي/ الرقة_ في مشهد جسد أسمى معاني التضامن الوطني والإنساني، استقبلت مدينة الرقة صباح اليوم الأربعاء 16 تموز الجاري العشرات من أعضاء فرق الطوارئ والدفاع المدني التابعين للإدارة الذاتية في إقليم شمال وشرق سوريا، بعد عودتهم من مشاركتهم الفعالة في إخماد سلسلة من الحرائق المدمرة التي اجتاحت مناطق واسعة من الساحل السوري، وبشكل خاص ريفي اللاذقية وطرطوس، خلال الأيام الماضية.
وشارك المتطوعون من فرق الإطفاء والطوارئ والإسعاف في جهود جبّارة استمرت لساعات طويلة، واجهوا خلالها ألسنة اللهب التي اجتاحت الغابات والأراضي الزراعية، والتي تهددت بها حياة السكان وأرزاقهم. وجاءت هذه المبادرة استجابة مباشرة لنداء إنساني، تجسّد فيه إيثار أبناء شمال وشرق سوريا، وحرصهم على الوقوف إلى جانب إخوتهم في مواجهة كارثة طبيعية لم تميّز بين منطقة وأخرى.
ورغم تضاريس الساحل الصعبة، والتحديات التي فرضتها الرياح القوية، عملت الفرق جنبا إلى جنب مع فرق الإطفاء المحلية من أبناء المناطق المتضررة. لم يكن المشهد مجرد مواجهة نار جامحة، بل كان تمثيلا حيا لوحدة السوريين أمام المحن، ورفضا لأي تقسيم قسري تحاول الكوارث أن تفرضه على الواقع.
استقبال شعبي ورسمي في قلب الرقة
وفور عودتهم، احتشد المئات من الأهالي في ساحة دوار النعيم وسط مدينة الرقة، في استقبال حافل جمع بين العفوية والرسمية. حمل الحضور الزهور ورفعوا شعارات الشكر، تعبيرا عن امتنانهم للدور الوطني والإنساني الذي أداه المتطوعون من مختلف مناطق شمال وشرق سوريا.
وشارك في الاستقبال ممثلون عن المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة، إلى جانب وجهاء وناشطين وممثلي منظمات مجتمع مدني. تحولت المناسبة إلى مهرجان تضامن أكد مجددا على أن العمل الإنساني لا يعرف حدودا، وأن المسؤولية الوطنية تبدأ من القدرة على العطاء في كل لحظة يحتاج فيها الآخرون الدعم.
رسائل المسؤولين: العمل المشترك أساس النسيج السوري
وألقى عدد من المسؤولين كلمات بهذه المناسبة، عبروا فيها عن فخرهم بما أظهرته فرق الإدارة الذاتية من انضباط وشجاعة وتضامن، مؤكدين أن هذه المبادرات تعبّر عن القيم الأساسية التي بنيت عليها الإدارة الذاتية، والمتمثلة في الشراكة الوطنية والدعم المتبادل.
وقال أحد مسؤولي هيئة الطوارئ: “إن مشاركتنا جاءت استجابة للنداء الإنساني، بعيدا عن أي اعتبارات سياسية. ما قمنا به يؤكد مجددا أن أبناء شمال وشرق سوريا جزء أصيل لا يتجزأ من النسيج السوري، وأن العلاقة بيننا وبين كل المناطق السورية هي علاقة مسؤولية مشتركة وتضامن مستمر”.
المبادرة الثانية… وتأكيد على النهج الإنساني
والجدير بالذكر أن هذه هي المرة الثانية خلال السنوات الأخيرة التي تبادر فيها الإدارة الذاتية إلى إرسال طواقم من فرق الطوارئ والإسعاف للمساعدة خارج حدود مناطقها الإدارية، في حالات حرائق وكوارث طبيعية. وقد لاقت تلك المبادرات ترحيبا واسعا من منظمات مدنية وحقوقية داخل وخارج سوريا، لما تمثّله من نموذج عمل إنساني عابر للانقسامات السياسية.
والمبادرة الأخيرة جاءت لتكرس هذا النهج، وتثبت أن الإدارة الذاتية لا تنظر إلى الآخرين من خلال عدسة اختلاف سياسي أو إداري، بل من خلال الانتماء للإنسان أولا، والانتماء للوطن كمظلة جامعة.
أصوات من الميدان: ما بعد النار رسالة حياة
من بين المتطوعين العائدين، تحدث أحد رجال الإطفاء قائلاً: “لم نشعر للحظة أننا نعمل خارج منطقتنا. كل من قابلناه هناك كان يعاملنا كأبناء له، وكنا نحمل مشاعر واحدة، وهي إنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذه المهمة غيرت فينا الكثير، وجعلتنا نؤمن أكثر بوحدة الحال السوري”.
وأضاف أحد المسعفين: “أصعب اللحظات كانت رؤية منازل مدمرة وناس فقدوا كل شيء، ومع ذلك كانوا يستقبلوننا بابتسامة وشكر. هذا الأمر دفعنا للعمل بلا توقف، وكان حافزا لنا في كل ساعة قضيناها هناك”.
الرسالة الجامعة: لا حريق يمكنه أن يحرق روح التضامن
تؤكد هذه المبادرة والمشهد الجماعي حولها أن أبناء شمال وشرق سوريا، يعملون بروح جامعة، تسعى لتعزيز الروابط بين مكونات الشعب السوري، وتقديم نموذج عملي لما يمكن أن يكون عليه الوطن حين يكون أفي خدمة بعضهم البعض دون حسابات ضيقة.
وفي وقت يشهد فيه الواقع السوري الكثير من الانقسام والتشرذم، تبرز مثل هذه اللحظات كمنارة أمل، وكدعوة لجميع السوريين للارتقاء بالعمل المشترك إلى مرتبة الوجدان الجمعي.