رامان آزاد
بالمنطق السياسيّ لا يعدُّ سقوطُ أيّ نظامٍ سياسيّ هدفاً وطنيّاً بحدّ بذاته، بل منطلقاً لتحقيقِ الأهدافِ الوطنيّة، وأيّ جهة تستلم مقاليد الحكم تكونُ في محلّ الاختبار للوفاء بالوعودِ التي قطعت على نفسها والشعارات التي رفعتها، وفي سوريا التي سقط نظامها منذ سبعة أشهر؛ فإنّ تحقيق هدف تحقيق الأمن والاستقرار يأتي على رأس كلّ الأولويات، وهو اختبار تعددت ميادينه، واليوم وبعد فشل السلطات القائمة، بتوفير الأمن في مناطق الساحل وجرمانا وأشرفية صحنايا يتجدد الاختبار في السويداء.
عملية سلب تفجر التوتر
بدأ التوتر يوم الخميس ليلاً، بقيام مسلحين مجهولين بعملية سلب سيارة محملة بالخضار قادمة من دمشق، على الطريق المؤدي إلى السويداء، واُحتجز السائق فضل الله دوارة لعدةِ ساعات بين منطقتي خربة الشياب والفيلق الأول بريف دمشق، بعد تجاوزه حاجزاً أمنيّاً بفترة وجيزة، وتم سلبه أموالاً ومقتنيات شخصيّة والسيارة بحمولتها، كما تعرض للضرب والشتائم، وتم تهديده بالقتل، وأخلي سبيله فجراً معصوبَ العينين. وعلى إثر الحادثة أقام مسلحون محسوبون على السائق حاجزاً مؤقتاً واختطفوا عشوائيّاً ثمانية أشخاص من السويداء والحسكة، وطالبوا بإرجاع سيارة الخضار، وقامت بعد ذلك مجموعة مسلحة تابعة للعشائر بإقامة نقطة تفتيش في حي “المقوس” شرق السويداء واحتجزت خمسة مواطنين.
وفي سياق التوترات، تعرّض حاجز لشرطة محافظة السويداء التابع للأمنِ الداخليّ، لاستهدافٍ من مجموعة مسلحة من جهة منطقة براق على طريق دمشق، واندلعت اشتباكات بين عناصر الشرطة والمسلحين. كما استهدف المسلحون ذاتهم قرية “الصورة الكبيرة” في ريف السويداء الشمالي بقذائف الهاون خلال محاولتهم الهجوم على حاجز الشرطة.
الاشتباكات تواصلت في حي المقوس بمدينة السويداء، وامتد التوتر إلى مناطق أخرى بريف السويداء الغربي والشمالي، واندلعت اشتباكات في محيط قرية الطيرة بالريف الغربي، وشهدت قرية لبين اشتباكات بعد تعرضها لاستهدافات، وفي الريف الشمالي تم استهداف حاجز لقوى الأمن الداخليّ وسقطت عليها قذائف هاون مصدرها منطقة براق.
واعتباراً من ساعات الصباح قطعت مجموعات مسلحة في مناطق متفرقة من ريف دمشق، منها منطقة براق، على طريق دمشق السويداء، ما دفع الحواجز الأمنيّة لإيقاف حركة المرور على الطريق.
وصدر قرار بتأجيل امتحانات الشهادة الثانوية، ومساء الأحد تم التوصل لاتفاق للإفراج عن جميع المحتجزين من أبناء محافظة السويداء في حي المقوس، بعد جهود وساطة قادها شيخ العقل الشيخ يوسف جربوع، ومشايخ الطائفة ووجهاء العشائر. لكن؛ اشتباكات عنيفة اندلعت في ريف السويداء الغربي. وتعرضت عدة قرى في ريف السويداء الغربي لهجوم واسع، منها قرى تعارة والدور والدويرة، من اتجاه ريف درعا الشرقي، وترافق الهجوم مع قصف بقذائف الهاون والطيران المسيّر.
الهجمات بدأت بشكل مفاجئ بعد حالة من الهدوء الحذر شهدتها الساعات الأولى من الفجر، وعقب إعلان وزارة الداخلية عن تدخلها لفض الاشتباكات، وبعد فترة وجيزة من إطلاق سراح جميع المختطفين من أبناء المحافظة ومن أبناء العشائر.
حصيلة كبيرة من الدم
بحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان فقد بلغت حصيلة ضحايا الاشتباكات المسلحة والقصف المتبادل في محافظة السويداء منذ صباح الأحد 13 تموز الجاري، 99 قتيلاً، بينهم طفلان وامرأتان، وهم: 60 من أبناء السويداء، و18 من بدو السويداء، 14 من وزارة الدفاع وسبعة مجهولو الهوية يرتدون الزي العسكريّ.
ومع استمرار الاشتباكات عملت الكوادر الطبيّة بكامل طاقتها في ظل نقص حادٍ في المستلزمات الطبيّة وتزايد أعداد الجرحى ونقلت صفحة السويداء 24 عن مصادر طبيّة أنّ عدد الإصابات التي وصلت إلى مستشفيات المحافظة بلغ نحو 200 إصابة.
ودفعت وزارة الدفاع بالحكومة الانتقاليّة بتعزيزات عسكرية إلى السويداء، تضم مختلف أنواع الأسلحة وعشرات العناصر، بهدف دعم الحواجز الأمنيّة التي تعرضت للهجوم، في وقت تشارك فيه بعض تشكيلاتها فعليّاً في القتال ضد المسلحين من أبناء السويداء.
لكن المشاهد المتداولة في مقاطع مصورة على مواقع التواصل الافتراضي كانت زاخرة بالكثير من الإساءة، فمن جهة إعلان مجموعات مسلحة الاستنفار في عدة مناطق سوريّة والتهديد بعبارات طائفيّة ومشهد قص الشوارب لمواطنين من السويداء في إساءةٍ رمزيّة للأهالي، والدعس على صورة كبيرة لقائد الثورة السوريّة الكبرى الراحل سلطان باشا الأطرش والذي يعتبر قيمة وطنيّة سورية تتجاوز الحالة الطائفيّة.
المرجعيّة الدينيّة دعوات ومطالب
دعا شيخ عقل طائفة المسلمين الموحّدين الدروز حمود الحناوي، إلى التهدئة وإيقاف المواجهات المسلحة، وقال في بيان: “في ظل الأحداث المؤسفة التي شهدتها محافظتنا منذ أمس، من حالات خطف وتوتّرات بين بعض العشائر وأبناء طائفتنا الموحّدة، فإننا نرفع الصوت من منبر العقل والمحبة والمسؤولية، ونهيب بجميع الأطراف أن يعيدوا النظر فيما يجري، ويُوقفوا فوراً كل ما من شأنه أن يزرع الفتنة، ويهدد السّلم الأهليّ”. ودعا الشيخ الحناوي للاحتكام للعقل، وناشد أعلى مستويات المسؤوليّة ووجهاء العشائر وأصحاب الضمائر لوأد الفتنة، قائلاً: “لتكن لكم اليد البيضاء في وأد الفتنة، وكفّ يد العبث، وحماية الكرامات، وصون حُرُمات الناس وممتلكاتهم”.
وأكد بيان الرئاسة الروحيّة للمسلمين الموحدين الدروز على رفض دخول أيّ جهات إلى المنطقة، ومنها الأمن العام السوريّ وهيئة تحرير الشام. واتهم بشكلٍ مباشر تلك الجهات بالمشاركة في قصف القرى الحدوديّة ومساندة المجموعات المهاجمة باستخدام أسلحة ثقيلة وطائرات مسيّرة، وأكد المطالبة بالحماية الدوليّة الفوريّة كحق لحماية المدنيين وحقناً للدماء.
كما صدر بيان عن دار الإمارة في قرية عرى أيضاً، من الأمير أبو يحيى حسن الأطرش. ودعا إلى إنهاء الاقتتال الداخليّ وعدم الانجرار وراء الفتن. مؤكداً على التواصل مع الدولة ومشايخ العقل ووجهاء المنطقة للتوصل إلى حل يرضي الجميع. ومنح فرصة حقيقية للحوار وفرض الأمن.
أحداث جرمانا وصحنايا
على إثر تداول مقطع صوتيّ مفبرك نُسب لرجل دين درزيّ يسيء فيه إلى مقام النبي محمد “ص” هاجمت مجموعة مسلحة في 29/4/2025، مناطق عدة يقطنها سوريون دروز، في جرمانا وأشرفية صحنايا وقرى السويداء الغربية. وكانت الهجمات مفاجئة ودمويّة، وجرت بوتيرة متسارعة دون أيّ مبرر واضح، وتعرض طلاب الجامعة من أبناء السويداء للاعتداء في جامعتي حلب وحمص.
بدت الأحداث في مسارها وتوقيتها وأدواتها وكأنّها خطة متكاملة معدة مسبقاً، وجاءت بعد أحد الساحل السوريّ الدمويّة والتي تضمنت حوادث قتل جماعيّة وإعدامات ميدانيّة على أساس طائفيّ، وبذلك لم تستبعد فرضيّة الاستهداف الطائفيّ، وبخاصة بعد أكدت وزارة الداخليّة في بيانٍ رسميّ زيف التسجيل الصوتيّ الذي اُتخذ ذريعة للهجوم، وخرجت مظاهرات في عدة مدن، وتصاعد الموقف، ليطرح السؤال على مساحة سوريا عن هوية الجهات الفاعلة أو المستفيدة من تفجير الوضع الأمنيّ والاجتماعيّ، ودوافع التصعيد، وبخاصة ظاهرة انفجار العنف على هذا النحو.
ولكن بيان وزارة الداخلية السوريّة نفسه الذي أكّد أنّ التسجيل الصوتيّ المتداول مزوّر، ولا أساس له من الصحة”، وقع في مطب الصياغة، وبخاصة تلك الجزئيّة التي عبر فيها عن الشكر التقدير للمواطنين على مشاعرهم الصادقة وغيرتهم الدينيّة دفاعاً عن مقام النبي “ص” وكأنّها أرادت بذلك التعبير عن تفهمها للأحداث وتبريرها عاطفيّاً، رغم نفيها رسميّاً لوجود إساءة فعليّة لمقام النبي “ص”، ورغم أنّ الأمر من الناحية الشرعيّة يلزمها بكاملِ المسؤوليّة لتبينِ الخبر، وفق مقتضى الآية “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”، الأمر الذي يطرحُ السؤالَ الجديّ حول موقفِ الوزارة المتناقض ما بين النفي القانونيّ والتبرير العاطفيّ، ليكون بيانها خطاباً متبايناً تجنبت فيه الإدانة الصريحة.
في 30/4/2025 أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، بارتفاع حصيلة قتلى المواجهات إلى 74 شخصاً، إضافة لإصابة العشرات، ورغم قيام قوات الأمن العام بجهود لمنع الهجمات، فقد استمرت حالة التوتر عدة أيام، تلتها مساع من سلطات دمشق لعقد اتفاقٍ يقضي بامتداد سلطتها مناطق جرمانا وأشرفية صحنايا، والتي يقطنها سوريون من الشعب الدرزيّ، ولكن تنفيذ الاتفاق واجه صعوبات حالت دون تنفيذه التام، ليبقى الوضع رهن حالة توتر وترقب.
في 3/5/2025، صدر بيانٍ جمع مشايخ العقل: حكمت الهجري، حمود الحناوي، ويوسف الجربوع وغيرهم، واُعتبر أرضيّة تفاوض أوليّة غير معلنة، وتضمن رفض أيّ عملية نزع سلاح داخل المحافظة، ما لم تُرفق بخطة تنفيذيّة واضحة، وشدد على ضرورة أن يكون عناصر الأمن العام من أبناء السويداء حصراً، مع مطالبة صريحة بضمانات تحول دون عسكرة الخلاف السياسيّ، وضرورة إطلاق حوار جاد وموسع مع سلطات دمشق.
وجاء الاتفاق بين ممثلي الحكومة السوريّة الانتقاليّة وممثلي السويداء متضمناً خمسة بنود، بينها تفعيل قوى الأمن الداخلي من أفراد سلك الأمن الداخلي سابقاً، وتفعيل الضابطة العدليّة من كوادر أبناء المحافظة حصراً، ووقف إطلاق النار فوراً، وغيرها، وبدأ تنفيذ الاتفاق وعاد الهدوء، وبموجبه يتكون الأمن العام من أبناء السويداء فقط، تحت اسم شرطة، وبلباس يختلف عن لباس الأمن العام.
إلا أنّ الموقف العام في السويداء لم يكن في حالة انسجام وتوافق، وبدا الانقسام ما بين توجهين: موقف المجلس العسكريّ المشكّل حديثاً في السويداء، والذي يضم ضباطاً منشقين مثل طارق الشوفي، والذي أعلن دعمه الكامل لمطالب الحكم الذاتيّ، ورفض تسليم السلاح أو انتشار الأمن العام في المحافظة دون ضمانات دوليّة، وقد دعمه حزب اللواء السوريّ وتيار سوريا الفيدرالية الذي يدعو إلى نظام لا مركزيّ، وأعلنا تضامنهما مع الرافضين لاتفاقات التهدئة. مقابل موقف فصائل “رجال الكرامة” و”أحرار الجبل”، اللذين أعلنا دعمهما الاتفاق الأمنيّ، شرط أن تكون عناصر الأمن العام من أبناء المحافظة الذين ليس لهم سوابق جنائيّة.
الأسباب المولدة للأحداث
الواقع هناك جملة من الأسباب والعوامل المولّدة للتوتر ليس في السويداء وحسب، بل في مناطق مختلفة، وتتعلق مباشرة بالبيئة التي برزت بعد سقوط النظام وخلقت عوامل قابلة للانفجار، وعلى رأسها وجود بعض الاحتقان بين بعض السوريين بينهم الدروز كغيرهم من السوريين، فقد تم إقصاؤهم وعدم إشراكهم في اللقاءاتِ والمؤتمرات السياسيّة التي نظمّتها الحكومة الانتقاليّة مثل “مؤتمر النصر” و”مؤتمر الحوار الوطني”. ويضاف إلى ذلك وجود طوابير من آلاف الموظفين الذين تم فُصلهم من وظائفهم في مؤسسات الدولة في عموم سوريا بما فيها السويداء، وشملت تلك الوظائف مؤسسات الجيش والأمن والشرطة ومختلف المؤسسات المدنيّة.
وتم تفسير ذلك بأنّه سياسة إقصاء غير معلنة، وتتعلق بهواجس السلطة القائمة والقادمة من خارج البيئة المحليّة، وقد صدرت تصريحات تتناقض مع أسلوب الحياة في مناطق السوريين الدروز، وتحفّظ المجتمع المحليّ على مطالبة الدولة بتسليم سلاح الفصائل الدرزيّة، فيما يتم استيعاب مجموعات أخرى ودمجها بالجيش السوريّ الجديد دون أدنى مطالبة بالمثل.
من جهة ثانية فإنّ تعطّل مسار العدالة الانتقاليّة، دفع البعض إلى السعي لأخذ “حقّهم” بأنفسهم، الأمر الذي أسهم بتغذية منطق الانتقام الفرديّ خارج الأطر القانونيّة، مع انتشار خطاب الكراهية الطائفيّة في المجتمع وعلى مواقع التواصل الافتراضي، عبر حسابات مجهولة ومموّلة خارجياً، تسعى للإساءة إلى مكوّنات مجتمعيّة محددة وتحرض ضدها ما يخلق مشاعر سلبيّة من القلق والخوف.
ورغم خطورة الأحداث التي وقعت في جرمانا وأشرفية صحنايا والعدد الكبير للضحايا والقتلى في صفوف المدنيين والعسكريين، لم تُعلن السلطات الانتقاليّة تشكيل لجنة تحقيق رسميّة، لكشف الحقيقة وإعادة الاعتبار إلى الأهالي وعوائل الضحايا وإسقاط توصيف مجموعات “خارجة عن القانون” أو “منفلتة”، ومحاسبة المهاجمين، الأمر الذي اُعتبر تضييعاً لفرصة بناء الثقة بين السلطات القائمة والمجتمعات المتضررة، ولوضع حدٍّ للتأويلات والروايات الانفعاليّة وتوحيد سرديّة الأحداث وفق المقتضى القانونيّ.
بالمجمل، مثّلت الأحداث في جرمانا وأشرفية صحنايا والسويداء ساحة اختبار حقيقيّة لقدرة سلطات دمشق على التعامل مع التعدديّة في سوريا، والاحتواء السياسيّ، وقدرتها على ضبط السلاح خارج أطر المؤسسة العسكريّة، بعد توفير الأمن وتسكين هواجس الأهالي، وبالتالي لا يمكن اعتبار الأحداث أزمة أمنيّة طارئة، بل طرحت السؤال حول قدرة الحكومة على فرض الأمن، وكفاءة مؤسساتها في استيعاب الشعوب المختلفة، ومدى قابليتها لتقديم نموذج بديل للدولة التي ورثت عنها ملفات عديدة. كما كشفتِ الأحداث أنّ الانقسام في السويداء ليس دينيّاً أو سياسياً فقط، بل تحوّل إلى تداخل مع قوى إقليميّة.