الشدادي/ حسام الدخيل ـ شهدت مدينة الشدادي، تحولاً ملحوظاً في مصادر الطاقة، حيث لجأ الأهالي إلى تركيب ألواح الطاقة الشمسية بعد انهيار شبكة الكهرباء النظامية وارتفاع تكاليف الأمبيرات، رغم التكلفة الباهظة التي تتجاوز الألف دولار للمنظومة الواحدة، يرى السكان في الطاقة الشمسية الحل الأكثر استقراراً لضمان استمرار الكهرباء وسط انقطاعات متكررة وأزمات متزايدة.
في منتصف صيف قائظ، يقف “حسان العلي” على سطح منزله جنوب مدينة الشدادي، يتفحّص لوحين شمسيين نصبهما حديثاً، ويتحسّس سلكاً أسود يمدّه بخطوة مترددة نحو البطارية الضخمة التي وُضعت داخل غرفة صغيرة. يبتسم رغم حرارة الشمس القاسية، ويقول بصوت لا يخلو من الأسى: “ما عاد فينا نتحمل لا ظلمة ولا همّ الأمبير… الشمس صارت أرحم من المستثمرين”.
منذ أكثر من عامين، بدأ سكان الشدادي، المدينة التي لطالما عانت تردّي الخدمات، التفكير بخيارات بديلة لتأمين أبسط حقوقهم: الكهرباء. ومع انهيار شبكة الكهرباء النظامية، وتحوّل مولدات الأمبير إلى عبء يومي مالي ومعنوي، وجدت كثير من العائلات في الطاقة الشمسية خشبة خلاص مكلفة لكن ضرورية.
“اللي عنده شمس… عنده نور”
يتحدث العلي عن رحلة تحوّله إلى “صاحب منظومة طاقة شمسية منزلية” كما يسمي نفسه مازحاً. يوضح أن متوسط تكلفة المنظومة تجاوز ١٠٠٠ دولار أمريكي.
يقول: “اشتريت لوحين بـ٨٠ دولار الواحد… الأنفرتر بـ٢٠٠ دولار والبطارية الأنبوبة بـ١٩٠. والله لو ما اضطرينا ما اشترينا، بس الواحد صار يخسر أكثر مع الأمبير”.
لم تكن معاناة حسان العلي حالة فردية، بل باتت قصة متكررة على ألسنة الناس. “منى العبد الله”، أرملة تُعيل أربعة أطفال، جمعت مدّخراتها من معونة أخيها المغترب لتقتني بطاريتين وأنفرتراً صغيراً. تقول: “الأمبيرات صار مزاج… يوم يشغلوا خمس ساعات ويوم سبعة، وإذا عطلوا ما حدا يسأل. وكل شهر بدنا ندفع بحدود ٧٥ ألف ليرة (حوالي سبع دولارات)، فوق تعب الأعطال”.
الأمبيرات… حلّ مؤقت تحوّل إلى عبء
في البداية، استبشر الأهالي خيراً بانتشار مشاريع الأمبيرات الخاصة، لكن سرعان ما تبيّن أن هذا الحلّ المؤقت يفتقر إلى الشفافية والالتزام.
وفق شهادات الأهالي، يبلغ سعر الأمبير الواحد نحو ١٥٠٠٠ ليرة سوريّة (دولار ونصف تقريباً)، لتشغيل سبع ساعات يومياً في أحسن الأحوال. غير أن الأعطال المتكررة وإيقاف التشغيل من دون إنذار زاد سخط الأهالي.
ينوه فواز الأحمد: “في الشهر بنصرف حوالي ١٠٠ ألف ليرة للأمبير وما منعرف إذا بيشتغل ولا لأ… على الأقل الطاقة الشمسية بتضمنلنا نور وثلاجة ومروحة”.
فاتورة الشمس.. حل دائم بتكلفة باهظة
رغم الإيجابيات، ليست الطاقة الشمسية خياراً سهلاً. إذ يحتاج تركيب منظومة منزلية متوسطة إلى:
ـ بطارية أنبوبة سعرها بين ١٧٥ و٢٠٠ دولار.
ـ أنفرتر تتراوح أسعاره من ١٥٠ حتى ٢٥٠ دولار، بحسب السعة.
ـ ألواح شمسية بسعر ٨٠ دولار للوح الواحد.
ـ وأسلاك وملحقات قد ترفع الكلفة إلى أكثر من ١٠٠٠ دولار، وهو مبلغ كبير في بلد يعاني انهيار الليرة وتراجع الدخل. لكنّ؛ هذه التكلفة دفعت كثيرين للبحث عن حلول جماعية، مثل تركيب منظومات مشتركة بين عائلتين لتقاسم النفقات، والحصول على كهرباء شبة دائمة.
بين الظلمة وكلفة البدائل
“مازن الحسون”، وهو سبعيني يعيش مع أسرته الكبيرة، يعتبر أن الطاقة الشمسية “حاجة لا رفاهية”، ويوضح: “ما في كهربا، ولا مازوت يكفي، والأمبيرات صايرة تجارة مربحة… بدنا بديل يطمن الناس”.
في ظلّ غياب أي خطط لإصلاح الكهرباء العامة، يجد الأهالي أنفسهم محاصرين بين خيارين: دفع مبالغ متكررة على الأمبيرات بلا ضمان ولا انتظام، أو استثمار مدّخراتهم القليلة في منظومة شمسية ترهقهم مالياً لكنها تؤمّن حياة أكثر استقراراً.
مفارقة النور.. شمس الشدادي مصدر الإنقاذ
الغريب أن الشمس التي لطالما لعنها الأهالي؛ بسبب حرارتها القاسية، صارت اليوم أملهم الأخير. فالبيوت باتت ترفع الألواح فوق الأسطح الطينية، والمحال التجارية نصبت بطاريات ضخمة خلف الأبواب المعدنية.
تقول “منى العبد الله” في ختام حديثها: “صرنا نحب الشمس… لأنها ما بتقطع علينا، ولا بتغلي علينا”.
في مدينة الشدادي، كما في معظم أرياف سوريا، يبدو أن الطاقة الشمسية تحوّلت من ترفٍ مستحيل إلى ملاذ ضروري… خيار باهظ لكنه أفضل من ظلمة طويلة لا تنتهي.