زاوية الدين والحياة ـ علي زاخراني
أرسل الله الرسل والأنبياء إلى الناس ليعبدوه ويكونوا خلفاءً له في الأرض حتى يحققوا العدل فيما بينهم، وألا يظلم الإنسان أخاه الإنسان؛ لأنه بنيان الله في أرضه، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأطعمه وأسقاه، ورعاه ومنحه الحياة، ووكل أمر موته إليه، فلا يحق ﻷي إنسان أن يهدم هذا البنيان، أو يزهق تلك الروح، فالذي وهب الحياة هو الذي يملك الحق في قبضها، فهدم الكعبة سبعين مرة أهون عند الله من قتل مؤمن.
فإذا كان الله يمنعنا أن نقتل فرداً واحداً من بني الإنسان، والرسل والأنبياء يمنعننا، وكذلك شريعة الإنسانية والعقل، وإذا نظرنا إلى تاريخ البشرية واستعرضناه نجد أن كل الأديان السماوية والمذاهب الفكرية الفلسفية الأرضية تهدف جميعا إلى التدبر والتعقل والتعايش السلمي واحترام حقوق الآخرين ونبذ العنف والهيمنة المادية والروحية في الوقت نفسه في إطار أمني يضمن سلامة الأنفس والأفكار مما يحقق الهدف المطلوب منذ نشأة الخليقة، والدليل على ذلك ما هو مذكور في الكتب السماوية، حيث نجد الوصايا العشر في العهدين القديم والجديد وموعظة الجبل للسيد المسيح عليه السلام وما ورد في القرآن العظيم والأحاديث النبوية المتواترة الصحيحة كلها تجتمع في جوهر واحد وهو الأمن والسلام والمودة والإخاء، ولعلي أذكر مقولة الإمام علي كرم الله وجهه لواليه على مصر مالك الأشتر: (واعلم يا مالك أن الناس صنفان أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق).
إنسان.. هي بالتحديد الصفة التي تجمعنا جميعاً من أقصى الأرض إلى أدناها، إنسان مجرد من أي شيء سوى الإنسانية. فكم من البشر حولنا يفتقدون هذه الصفة، ولا يعرفون دقة تفاصيلها، إنسان بكل ما تحمله من معان جميلة، حين تكتمل الإنسانية بداخلنا نشعر بنعيم الدنيا. حين نستشعر معانيها ونمسك مفرداتها ونغوص في أعماقها ندرك فعلاً كم هي نعمة كبيرة تلك الإنسانية، هناك تعطش في داخلنا نحن البشر كي نملأ روحنا بمشاعر الإنسانية التي تستهلك في طريق الحياة وتحتاج منا إلى تجديد دائم.
كل شيء من الممكن أن ينضب سوى تلك المشاعر التي كلما زاد استهلاكنا لها ازداد رسوخها في داخلنا، فالكريم يزداد كرماً، والوفي يزداد وفاءً، والخلوق يزداد أخلاقاً، والصادق يزداد صدقاً، والأمين يزداد أمانةً. وهناك من يعانون من فقر في المشاعر الإنسانية، هناك من هم بحاجة الى جرعات إنسانية منشطة كي يتخلصوا من سموم اللاإنسانية التي يعانون منها، ويعاني من آثارها من هم حولهم، والمقربون منهم.
وعندما تتخلى عن إنسانيتك لا تعاني وحدك، بل كثيرون هم من سيعانون معك وبسببك، عندما تتجرد من قيمك الإيجابية ستتغلب صحراء الهمّ على ينابيع السعادة، وتصبح حياتك جرداء من أي خير، حينها ستفقد أهم صفة منحها إياك الخالق (إنسان).
هناك صفات إنسانية تلتصق بنا بالفطرة وأخرى نكتسبها بمراحل الحياة، لكننا بلا شك نمتلك وسائل عديدة لتغيير الصفات السلبية وتحسينها، وهناك طرق عديدة للتخلص من بعض المظاهر السيئة التي نتصف بها، لكننا يجب أن نمتلك الرغبة الحقيقية. لذلك؛ غيّر حياتك إلى الأحسن، وامنحها ما تستحقه، وهي تستحق الأفضل، والأفضل أن تكون إنساناً بكل ما لهذه الكلمة من معنى، والأفضل أن تنقي حياتك من الشوائب التي تفقدك بريق المعنى، ومعنى الحياة الحقيقي.