زاوية حبر النساء ـ سوزان علي
لم تقف العقبات حائلاً أمام المرأة في شمال وشرق سوريا، لتنتفض وتثور أمام الواقع المتردي الذي كانت تحياه، والذهنية السلطوية المفروضة عليها، والتي كبلتها لعقود وسنوات طويلة، وحدّت من إبداعها وإمكانية عيشها بشكل طبيعي؛ فثارت على التقاليد البالية مع بدء ثورة التاسع عشر من تموز “ثورة روج آفا”، لتصنع ثورة ضمن ثورة، ثورتها الخاصة بريادتها؛ وتشكيل وحدات خاصة بها أولاً “وحدات حماية المرأة”؛ لإيمانها العميق في أن الحماية من طبيعة المرأة المماثلة لطبيعة الكون.
فالمرأة التي تبدع في رسم الحياة من حولها وتدخل الدفء إلى قلوب المحيطين بها؛ اتخذت الحماية نهجاً لها، فهي الأمّ الحامية صغارها؛ تمنحهم الأمان، ويلجؤون إليها حينما يبحثون عن الطمأنينة ويعثرون في كنفها على السكينة. ولذا؛ حينما رافقت السلاح في وحدات حماية المرأة؛ وضعت نصب عينيها منح الحماية لنفسها، أولاً، وللمرأة ثانياً ولمجتمعها والوطن ثالثاً؛ ولم تتوانَ عن الدفاع عنهم؛ فكانت لها ما أرادت، وبتلك الروح خطت خطواتها الأولى في ثورة التاسع عشر من تموز التي عرفت بثورة المرأة.
ولم يقتصر نضالها على الجانب العسكري وحسب، بل سعت لاسترداد هويتها المفقودة كامرأة كانت تقدس ذات يوم، لدورها الهام في منح الحياة لمن حولها، فالأمّ التي كانت تلمّ شمل العائلة وتدير اقتصاد المنزل بحنكتها وتبدع في تربية أبنائها بذكائها العاطفي؛ كان ينظر إليها نظرة مختلفة، وكانت تخلد ضمن ألقاب مقدسة تماثل الألوهية وتصبح رموزاً للحب والجمال والوفرة والخصوبة، وتقدس ضمن تماثيل؛ امتدت من ثقافة ميزوبوتاميا “النولوتيك”، ثقافة العصر الأمومي حتى اللحظة. واليوم، تسعى المرأة إلى استعادة تلك الريادة، بما يتناسب مع تطلعات المرحلة، فتسلمت الرئاسة المشتركة ضمن مؤسسات وهيئات الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا، ومثلت صوت الإقليم في المحافل الدولية، إلى جانب مساعيها لحلّ الأزمة السورية ودمقرطتها والحث على اللامركزية من خلال مشاركتها في الوفود المحاورة مع الحكومة السورية الانتقالية. لا نود أن نغفل عن دورها في الاقتصاد الكومينالي ومساعيها في تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال مشاريعها الاقتصادية المجتمعية.
بسالة المرأة ومبدؤها ورؤاها، في منح الحياة لكل شيء بلمساتها، وتحدي فلسفة الموت بالشهادة ضمن ثورة التاسع عشر من تموز منحتها جرعة أخرى من العطاء، لتنبض بالمزيد من العطاء المتدفق وتمنح روحها ليحيا مجتمعها، فكانت لها الشهادة، فثورة التاسع عشر من تموز غدت بريادتها وشجاعتها ثورة الشهداء، فكم من إعلامية ولإظهار حقيقة مقاومة شعوب شمال وشرق سوريا ارتقت للشهادة دون وجل، وكم مقاتلة ضمن وحدات الحماية توجهت إلى الخطوط الأمامية من جبهات القتال، وهي تعلم أنها غير عائدة إلا وهي مكللة بالشهادة..!، وكم من الأمهات اللواتي اتخذن أجسادهن دروعاً بشرية؛ تصدياً لهجمات المحتل التركي على شمال وشرق سوريا وردّاً لسياستها تلك دون أن يرف لهن جفن وغدون شهيدات الوطن..!؛ مقتديات بمناضلي مقاومة 14 تموز في زنزانة آمد؛ أولئك الشهداء المناضلون الذين خاضوا نضالاً أمام همجية المحتل التركي وممارساته البعيدة عن الإنسانية عليهم حتى ارتقوا للشهادة، إلى جانب اقتدائهن بحركة التحرر الكردستانية التي تواصل نضالها منذ أكثر من خمسين عاماً ودخل نضالها مرحلة أخرى وهي مرحلة الكفاح السياسي بعد الإعلان عن انتهاء مرحلة الكفاح المسلح؛ تلبية لنداء القائد عبد الله أوجلان “السلام والمجتمع الديمقراطي”. المرأة التي فهمت كينونة الحياة وصادقت الطبيعة وحلّقت مع الفراشات؛ لتنثر الأمل وروداً؛ هي ذاتها من حملت السلاح فكانت الصخرة التي تعيق تقدّم العدو، والجبل الذي يمنع همجيته.