هيفيدار خالد
عادت محافظة السويداء إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، لتحتل أخبارها عناوين الصحف المحلية والعربية، حيث تشهد المدينة الواقعة جنوب سوريا منذ أيام اشتباكات بين فصائل درزية وعشائر بدوية، انتهت باقتحام قوات الحكومة السورية الانتقالية مدينة السويداء، ولتشهد على إثرها مباشرةً حركة نزوح كبيرة بين صفوف المدنيين باتجاه أرياف المدينة، بحثًا عن الأمن والأمان وخوفًا من ممارسات وانتهاكات قوات الأمن العام التابعة للسلطة في دمشق، التي ذاع صيتها بارتكاب المجازر والجرائم بحق السوريين الأبرياء.
طوال الأزمة السوريّة، حاولت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية أن تنأى بنفسها عن التطورات التي شهدتها البلاد، حيث تميزت السويداء بمواقفها شبه المحايدة منذ عام 2011. إذ حاولت، ممثلةً بقيادتها الدينية “شيوخ العقل”، الحفاظ على موقفها المحايد من النظام السوري، في محاولة للمحافظة على وجودهم فيها، باعتبارهم أقلية دينية، وقد شهدت السويداء مظاهرات مطالِبة برحيل الرئيس السوري السابق بشار الأسد وسقوط النظام البعثي، وكان لها دوماً الحصة الأكبر من الاحتجاجات التي تميزت بكونها الأكثر استمرارية وتنظيمًا عن غيرها من المدن السورية، إلى سقوط النظام السوري في 8 كانون الأول 2024.
وحاول شيوخ العقل في السويداء الحفاظ على مواقفهم من السلطة الجديدة التي وصلت إلى دمشق، رغم الكثير من المحاولات التي هدفت إلى فرض الفوضى وزعزعة الأمن والاستقرار، إلا أن عدم وحدة الموقف بين الفصائل في السويداء فتح الطريق أمام تدخلات القوى الخارجية في وضع المحافظة، وليحدث ما يحدث اليوم من اشتباكات واقتحامات من قبل قوات الحكومة السورية الانتقالية، وبسط سيطرتها عليها تحت مسمى “ترسيخ الأمن والأمان” و”عودة المحافظة تحت إدارة الدولة” التي هي بالأساس غير قادرة على إدارة البلاد، وحوّلتها إلى مستنقع للنعرات الطائفية والحرب الأهلية، والشعب السوري هو من يدفع الفاتورة غاليًا.
في سوريا، أصبح كل شيء مباحًا: قتل الناس على الهوية والدين، تهجير الأهالي من ديارهم تحت مسمى سيادة الدولة وملاحقة الخارجين عن القانون. عن أي قانون نتحدث والبلاد تُحرَق بنيران الفتنة؟ عن أي وطن نتحدث والنساء يصرخن ويناشدن للحماية، وعدم ترك بيوتهن وحمل السلاح، ولا أحد يسمع صراخهن؟ عن أي أمن نتحدث حين تُباع الشعوب في صفقات مشبوهة ويُتاجر بقضيتهم؟
السويداء الجريحة اليوم، من يُداوي جراحها؟ حياة سكانها في خطر. الحكومة السورية الانتقالية بقيادة أحمد الشرع مسؤولة عن المجازر التي تُرتكب في السويداء، ويجب أن تحاسَب عن كل ذلك. الشرع لا يستطيع ضبط عناصره، وغير قادر على حماية الشعوب السورية، عليه الاعتراف بذلك. الجميع اليوم في صمت، والسويداء تصرخ بصمت، ولا أحد يسمع صوتها، وكأنهم ينتظرون موت كل من فيها. نعم، نحن في أقبح فترة في التاريخ الحديث بعد العصور الوسطى، حيث تُباد الشعوب وتُرتكب المجازر العرقية والطائفية، ولا أحد يحرك ساكنًا.
على الجميع التحرك من أجل وقف معاناة الدروز في السويداء وتأمين الحماية الكاملة لهم، والوقوف في وجه المخططات التي تستهدف وجودهم وتاريخهم المقاوم والمشرق في التاريخ السوري. الطائفة الدرزية لا تستحق كل هذا العناء، بل تستحق حياة تليق بنضالها في وجه الاستعمار والاحتلال والظلم.