قامشلو/ جوان محمد ـ كانت لاعبات أندية السيدات وهن يلعبن كرة القدم أو يخرجن للمران محل تنمر من الكثيرين من الشباب وخاصةً من ينتمون لأندية مقاطعة الجزيرة. ولكن؛ مع مرور الزمن أصبحوا هؤلاء أنفسهم يمدحون ويتفاخرون بأن تلك اللاعبات من مدينتهم، علماً لم يكن الطريق للألقاب مفروشاً بالورود لهن، بل كان متزامناً بالتنمر والسخرية والرصاص والدم.
في العام 2016 بدأت الأندية المرخصة من المجلس الرياضي بمقاطعة الجزيرة بتشكيل فرق نسائية لكرة القدم، ومن خلال تحضيراتهن للبطولات الرسمية التي بدأت بالعام 2017، كنَ يتعرضن للتنمر من الكثيرين من لاعبي كرة القدم ولمختلف الفئات، وكانوا هؤلاء اللاعبين لا يعلمون أنه يوماً من الأيام سوف يتفاخرون بنفس اللاعبات؛ لأنهن حققن إنجازات عديدة على الصعيد المحلي والخارجي.
عنف لفظي
إن العنف اللفظي، الذي غالباً ما يُسمى أيضاً الإساءة هو نوع شائع من العنف، يشمل مجموعة كبيرة نسبياً من السلوكيات، بما في ذلك: الاتهام، التقويض، التهديد اللفظي، الأمر، التقليل من الأهمية، النسيان المستمر، السكوت، إلقاء اللوم، تسمية الأسماء، علانية الانتقاد.
العنف اللفظي متوافق مع أشكال العنف الأخرى، بما في ذلك العنف الجسدي والعنف النفسي. على سبيل المثال، في معظم سلوكيات البلطجة، نجد كل أشكال العنف الثلاثة (ويبدو أن العنف اللفظي هو الشكل الأكثر أهمية للعنف على التنمر لا يمكن أن يكون لديك تسلط من دون تهديد لفظي).
ولكن الفتيات في مقاطعة الجزيرة استطعنَ عبر إنجازاتهن بالتصدي لكافة أشكال العنف الممارس بحقهن من الآخرين وخاصةً اللفظي، وتعرضهن للسخرية والتنمر كان مرافقاً لمسيرتهن في مختلف الألعاب، ولكن كما ذكرنا بأدائهن وتحقيقهن الإنجازات تغلبنَ على تلك العقلية بشكلٍ كبير.
في حديث سابق لصحيفتنا “روناهي” تفيدنا النجمة “هلز حاجي” من مدينة ديرك بشمال وشرق سوريا وهي لاعبة نادي “الهلال” حالياً وحققت اللقب للدوري السوري هذا الموسم والسابق مع ناديها، بأنها مثلها مثل أي فتاة لها الحق في ممارسة اللعبة التي تحبها، ولعل عشقها للمستديرة كان حافزاً لتحديها كافة المصاعب في مسيرتها بعالم كرة القدم.
مكانك المطبخ
عقليات ما زالت ترى في الفتاة مكانها المنزل وبالتحديد المطبخ، وحتى لو كانت بعمر صغير، ولكن قد لا تدرك تلك العقول بأن داخل كل فتاة نبض مقاوم وقادر لتجاوز عقولهم المريضة، “هلز حاجي” كانت مصممة على المُضي قُدماً في إكمال مشوارها في عالم كرة القدم رغم التنمر الذي تعرضت له.
المقاومة شعاري
وتقول “هلز” بهذا الصدد: “كانت هناك صعوبات في بداية مشواري الكروي كنت أتعرض بشكلٍ يومي للتنمر والسخرية بكلمات لا توصف ولا بأي شكل من الأشكال من بعض ضعفاء النفوس وأعداء النجاح الذين تجردوا من الحس الإنساني، ووصلت لدرجة الكلمات النابية وصفارات الاستهجان وكانوا يقولون بصوتٍ مرتفع بأن الفتاة مكانها البيت والمطبخ وأشياء أخرى، ولكنني كسرت حاجز تلك العقليات المتخلفة التي تدعو إلى كسر إرادة الفتاة الحرة المتحررة وسلب شخصيتها وإنكار ذاتها ووجودها، وأثبت لهم العكس بأن الفتاة والمرأة قادرة للعمل في مجال الرياضة وحتى إنها قادرة في كافة مجالات العمل التي كانت مقتصرة على الرجال وحدهم بحسب نظرتهم”.
“هلز” مصدر فخر
النجمة “هلز حاجي” تميزت في مشاركتها مع ناديها “الهلال” في الدوري السوري العام للسيدات لكرة القدم للموسم 2024 ـ 2025، وكما ذكرنا فقد توجت مع ناديها باللقب، وكان “لهلز” دوراً كبيراً في تحقيق هذا الإنجاز فقد كانت تحرك الفريق بالكامل من خلال حركتها داخل ميدان الملعب.
ونشرت صفحة فريق “روج” الرياضي التالي: “بحضور مسؤول لجنة الفرق الشعبية في ديرك “مالك حسون” ومدير فريق “بانه قصر” “أحمد أبو وهيب” والكابتن “صادق حاجي يونس” قدم الكابتن “بوزان إبراهيم” قائد فريق “روج زهيرية” درع تذكاري للاعبة “هلز حاجي” نجمة نادي “الهلال” تعبيراً عن دورها الكبير برفقة سيدات نادي “الهلال” بطلات سوريا بكرة القدم ودور المرأة في الكرة الأنثوية وحث الحاضرين اللاعبة “هلز حاجي” على إكمال مشوارها الكروي والدعم لكرة القدم الأنثوية”.
ونشهد في هذا المنشور كيفية الافتخار بفتاة من مدينة ديرك لتحقيقها مع ناديها “الهلال” لقب الدوري السوري العام للسيدات للموسم 2024 ـ 2025، هذا دليل التغيير الحاصل في المنطقة من خلال دور المرأة في الرياضة وصمودها أمام كل الصعوبات والعراقيل، وأولها التنمر وما شابه ذلك، وهذا الأمر لم يكن موجوداً في السابق، وها هي “هلز حاجي” من التنمر تصل لمرحلة الافتخار بها.
ومع بدء البطولات الرسمية بالعام 2017 والتي كانت في البداية على الملاعب المغطاة الصغيرة، سداسيات، ومن بعدها تحولت على الملاعب الكبيرة المكشوفة واللاعب بـ 11 لاعبة وكان تلك نقلة نوعية على صعيد الكرة النسائية بمقاطعة الجزيرة في العام 2021، وتزامناً مع البطولات التي تقام برعاية من المجلس الرياضي بمقاطعة الجزيرة التابع للإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا، كانت اللاعبات يذهبنَ للعب في البطولات على مستوى سوريا، وحققن لقب أول دوري سوري على الملاعب المكشوفة للموسم 2019 ـ 2020، باسم سيدات عامودا، وهذا الدوري بنخسته الأولى انطلق بعد بدء الحراك الشعبي في سوريا بشهر آذار من العام 2011.
وفي الوقت الذي فيه كان اللاعبات يلعبن مباراتهن ضمن الدوري السوري العام في ذلك الموسم 2019 ـ 2020، كانت الدولة التركية تهاجم العديد من المدن بشمال وشرق سوريا، وبالرغم من ذلك لم تنكسر عزيمة اللاعبات على تحقيق اللقب وبالفعل حققن الإنجاز باسم سيدات نادي “عامودا” وقتها، وفي الموسم الذي تلاه حققن اللقب باسم سيدات “الخابور” للموسم 2020 ـ 2021، كما حققن لقب السيدات بالموسم 2023 ـ 2024، والموسم 2024 ـ 2025، باسم سيدات “الهلال” وتزامن تحقيق كل الألقاب بتكثيف الهجمات من دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على المنطقة من قتل وقصف بكل أنواع الأسلحة براً وجواً، علماً في الموسم الحالي الذي انتهت مجرياته في شهر حزيران الماضي وبتتويج سيدات “الهلال” باللقب، فقد رافق منافسات الدوري أحداث هامة في سوريا، منها سقوط النظام البعثي بالكامل، بالإضافة إلى معارك كبيرة إن كانت في مقاومة “سد الشهداء والمقاومة” سد تشرين أو مناطق أخرى من شمال وشرق سوريا.
وعلى غرار السيدات فقد تم تحقيق العديد من الألقاب على صعيد الناشئات من نادي “الخابور” و”الهلال”، ولقب واحد للواعدات أيضاً من نادي “الهلال”، وتم انضمام لاعبات من أندية مقاطعة الجزيرة للمنتخبات السورية وكان لهن بصمة مميزة على صعيد الناشئات والواعدات، وحققن لقبين لأول مرة في تاريخ الكرة النسائية السورية على الصعيد الآسيوي.
فقد حقق المنتخب السوري للناشئات بطولة اتحاد غرب آسيا الرابعة للناشئات لكرة القدم (الأردن 2023)، وجاء هذا التتويج بعد الفوز في المباراة النهائية على ناشئات الأردن بهدف سجلته اللاعبة “آية محمد” ابنة مدينة قامشلو ولاعبة نادي “الآساييش” في بطولات مقاطعة الجزيرة ونادي “الهلال” السوري في الدقيقة 76، فيما حلَّ المنتخب اللبناني في المركز الثالث بفوزه على ناشئات العراق بنتيجة 2-0.
واللاعبة “آية محمد” تعتبر نجمة في الكرة السوريّة، وحققت العديد من الألقاب الجماعية والفردية على صعيد الكرة السوريّة وصعيد الكرة النسائية في مقاطعة الجزيرة، وحقق هذا العام مع المنتخب السوري للشابات جائزة هدافة بطولة غرب آسيا والتي أقيمت بالأردن برصيد سبعة أهداف.
كما حققت واعدات منتخب سوريا لقب بطولة غرب آسيا للواعدات بفوزهن على نظيراتهن في المنتخب اللبناني بهدف دون رد في المباراة النهائية للبطولة التي جمعتهما، على ملعب البولو في العاصمة الأردنية عمان بالعام 2023.
هذه الألقاب الآسيوية بشهادة الجميع كانت البصمة الكبيرة للاعبات مقاطعة الجزيرة والفضل الأكبر لهن في تحقيق هذه الإنجازات للمنتخبات السورية للإناث، فقد باتت المقاطعة مكاناً لتنشئة نجمات في كرة القدم وسط اهتمام كبير من قبل العديد من الأندية.
لا إنجازات بدون ثمن
لقد كانت معاناة اللاعبات كبيرة جداً طوال مسيرتهن بعالم كرة القدم، وقاومن التنمر والظروف الأمنية الصعبة، وواجهن قلة الدعم من الجهات المعنية إن كان في مقاطعة الجزيرة أو الاتحاد العربي السوري لكرة القدم، ولكن في الوقت الذي كان يوجد هناك من يحارب اللاعبات عبر المنشورات والتعليقات والتنمر عليهن، فقد كان هناك من يقف بجانبهن، من أهليهن ومدربيهن، واستطاعوا سوياً في قلب المعادلة ونظرة الكثيرين من أبناء المجتمع الذي كان يظن الكثيرون منه بأن الرياضة بشكلٍ عام وكرة القدم بشكلٍ خاص هي حكر على الرجال فقط، ولكن بالإرادة والتصميم تم تخطي هذه العقول المريضة واستطعنَ أن يصبحن محل فخر واعتزاز للمدينة والبلاد.
وليشكل كل ما ذُكِر تغييراً كبيراً في عقول الكثير من اللاعبين الذين بدأوا ينشرون وبفخر عن لاعبات مدينتهم ومناطقهم بتلك الإنجازات ومن خلال التعليقات، وهذا أمر جيد، ففي السابق وأثناء التنمر على اللاعبات في بداية ممارستهن للعبة كرة القدم، كان يفترض من مدربيهم لهؤلاء اللاعبين العمل على تغيير عقولهم وتقديم النصائح لهم على عدم التنمر على اللاعبات والقيام بتعليقات سلبية عليهن ضمن المنشورات. ولكن؛ الإنجازات هي التي حلت بدل نصائح هؤلاء المدربين الذين تقاعسوا عن واجبهم تجاه تلك اللاعبات، والإنجازات أصبحت الجواب الأمثل لكل ما كان ينتقص من دور الفتيات في الكرة النسائية بالمنطقة وسوريا ككل، وعلى العكس تماماً فاليوم اللاعبات بتنَ مضرب للمثل للجميع، وهنا نستشف بأن لاعبات كرة القدم حققن المستحيلات من خلال تغيير العقول ومحاربة العادات البالية في المجتمع إلى أن أصبحن مصدراً للاحترام والفخر، كما قاومنَ الظروف الأمنية الصعبة كافة في البلاد، وجابهن الرصاص بالإرادة والتصميم والاستمرار بتحقيق الإنجازات والألقاب.