“سعيد السّرّاج” علامة أدبية متفردة في الحالة الأدبيّة والثّقافيّة السورية
أحمد عبد الرؤوف
في مدينة شهدت أحداثاً كثيرة في زمن قصير، خلال سنوات الأزمة السورية، لابد أن تأخذ الآداب فيها أشكالاً كثيرة على مستوى البلاغة والشعور وتصوير الواقع، وأن تتفتق منها شهبٌ جديدة تغني تاريخها العريق، عن مدينة الرقة نتحدث.
عندما يرتفع صوت الحب في القصيدة في وقت الحرب، تصبح الوجدانيات جميعها ترفاً لا يستسيغه أهل الألم، ثم تجد جمهوراً واسعاً يتعطّش إليه إذا كان الشاعر يجيد نسج الصبابة بشجن يلامس شغاف القلوب المكلومة، وفي وقت كثر فيه روّاد القصيدة الحديثة في التفعيلة أو قصيدة النثر من الشعراء، خرج في مدينة الرقة شعراء عمدوا بعفو الخاطر إلى إحياء أمجاد القصيدة الكلاسيكية، بنتاج شعري يكاد لا يخلو من قصيدة التفعيلة، والملفت هنا أن جل هؤلاء الشعراء هم من الشباب ومن الأسماء اللامعة الشاعر “عمر الصرّان” والشاعر “منهل لطوف” والشاعر “سعيد السراج” الذي سنتوقف في تجربته الشعرية على قصيدة التفعيلة والقصيدة الكلاسيكية، اللتين استطاع من خلالهما خلق شخصية شعرية خاصة أخذت مكانها على مستوى سوريا خلال السنوات الأخيرة.
الشاعر “سعيد السراج” امتازت كتابته بابتكار الصورة الأخاذة التي يستطيع من خلالها تقديم شعوره بشكل مكثف يخطف قلب وعقل المتلقي، وذلك بأدوات أخرى تميز بها الشاعر تجلت بأسلوب إلقائه المتميز وصوته الذي يترك أثراً عميقاً في النفس، وفصاحته المميزة.
استطاع أن يمزج ذاته بقصيدة التفعيلة من خلال إسقاطات عميقة، ورمز بعيد لأنثى بعيدة، تحضر في لاوعي المتلقي، وإن كان يكتب للرقة أو لمعتقل فقد حياته خلف قضبان السجن، أسرف “السراج” بجلد ذاته كعادة الشعراء في جل قصائده، كلما اصطدمت أحلامه بجدار الحقيقة، وربما أنه بلغ في قصيدته “شمعتان على باب الخطيئة” مسافات بعيدة حين قال في شمعته الأولى:
“*شمعة أولى* مكان يضيقُ بالحالمين ويتّسع بالبوح”
هذا المساءُ
يسيلُ مثل جنازةٍ
فوقَ المدينةِ
لم أكن أدري بأن الضوءَ يذبلُ
مثلَ صوتي
حين يخنقهُ غياب الشمس
عن هذا المكان
ولم أكن أدري
بأنَّ الوقت مرآةُ الغريبِ
وأنَّ من وضعوا الكنايةَ
لم يكونوا واقعيين
احتراماً للحقيقةِ
كلُّ شيءٍ لستَ تبصرهُ
ويوقظُ لذّةَ المعنى أمامكَ
نصفُ أحمق.
هو مثل قارعةٍ
على سفحِ الحنين
تدلُّ من فقدوا الحياة
على الشغف”.
وحين يتعبه ضياء شمعته المسافر خلف الحلم، يجد نفسه أمام وطنه يقف مجرداً من كل شيء
“وطني
على بابِ الخطيئةِ شمعتان
من التعب
ينقصني عواءُ الذئبِ
كي أحيا على ضوءيهما
قصباً
وتنقصني الحياة
أيلول يستهوي الحماقة
في عيون الحالمين
فمن البديهيِّ التبعثرُ
في مداه
والحالمون فريسةٌ للأغنيات
كما ترى
والحزن
ضيفٌ لا يغادرُ
أضلعَ الوقت المقيت
يا حزنُ يا شوك الطريق
يا بحّة الشّجر العجوز
على مقام الريح
يا أصوات من غابوا
وقاربهم رؤاي
لك غصّتان على فمي.
أن أستقيل عن الغناء
إذا كبرتُ
أو أستحم بغربتي
فوق الطريق
تعب المكان من الغياب
ولم تزل كفاي
للأمل البعيد تلوّحان
ما زلت أنظرُ في وجوهِ العابرين.
ولا أرى قمري يمدُّ لي الضياءْ
لكنّ صوتيَ في القيود
على التلال مدينةٌ
لم تنطفئْ أضواؤها
يكفيكَ من بابِ التمرّدِ
أن صوتكَ لا يموت
وأنّ بوحكَ لا يموت
وكأنّه في الليل أغنيةُ المسافرِ
حين يرسمُ حلْمهُ
وطناً على أثر الرحيل
تعب المكانُ ولم يزل قلبي
على شفة البكاءِ نوافذاً
للراحلين مع الندى
تعب المكانْ
وأنا كذلك كم تعبتْ
لكنَّ لي أنثى
تعانقُ بحّة الشجن
المقيمةِ في ضلوعي
حين توقظها… فأغفو”.
“السراج” لا يكتفي بشمعة واحدة، فنصف بوح لا يكفي، وربما أن الضوء الواحد لا يتسع لظلماء روحه فيتابع في شمعته الثانية:
“*شمعة ثانية*
الكتابة خبز هذا الوقت
أنا لا أرى خيطَ الحقيقةِ
ينسج الميعاد أغنيةً وماء
فالتّيهُ يكبرُ
مثل ملحمةٍ هنا
وهنا ينام الحلم
في منفى النهاياتِ
المؤجلةِ احتراماً للحياة
وهنا الحياة ولادةٌ لم تكتملْ
لي أن أخطَّ على المدى
هذا العتابَ قصيدةً
فلربّما هذي القصيدةُ صرخةٌ
كي يستفيقَ الحالمون”.
ولا يكون “السراج” حالماً فقط في عالم الرمزية الغارق في أزمنة غير هذه الأزمنة، والمنتمي لأمكنة غير هذه الأمكنة، والممتثل لقواعد غير التي نحيا بها.
نجد “سعيد السراج” مباشراً في نص كلاسيكي يحيي به أمجاد الأوزان الخليلية التامة بصورة رقيقة ومعانٍ صافية وانتماء إلى مسقط رأسه الأول فيقول:
“من رقّةِ الوجدِ هذا البوحُ والألقُ
لطبقةٍ طيفُها في الرّوح مُعتنقُ
تركتُ حزني على أعتابِها مدناً
لعلّ حزني على أعتابِها حبقُ
هذي القصيدةُ أبوابَ الرؤى فتحتْ
على فمي نشوةً بالشِّعرِ تأتلقُ
فجئتُ أحبو على حيطانِها ثملاً
بالشّوقِ تنثرُني الأيّامُ والحرقُ
يا شمعةً أُرّقتْ في خاطري ولهاً
فجئتُ أطفئُها والخيطُ يحترقُ
أرنو إليها شراعاً لا أطيقُ مدىً
لكنّ مداي على شطآنها غرقُ
هنا ينامُ على صفصافِها حلمي
يوماً بأن فؤادي ما به أرقُ
أتيتُ والشِّعرُ مرسومٌ بأوردتي
خيلاً يخبأ في أرسانِها الأفقُ
فغادرتْني على أبوابِها لغةٌ
بالكادِ أحملُها ما عادَ بي شبقُ
هل أستريحُ حماماً فوق ضيعتِها
أم أنَّ وجهي على أحيائِها عبقُ
لعلّني صرتُ فيها شاعراً نزقاً
أبلتْ حماقتَه الأسماءُ والطرقُ
فجاء ينثرُ في حاراتِها غدَهُ
فوضى ثلاثين عاماً نصفُها قلقُ
فكيف أغفو وريحُ العمرِ قد عصفتْ
على رؤايَ وحسبي كلُّها ورقُ
فلتعذري سوءتي ما عاد بي نزقٌ
أمامَ حسنِكِ تاه الصّوتُ والحدقُ
حـــال الغريب إذا يرنو لطبقتِه
كخشبةِ الموتِ لا ينتابُها الرهقُ”.
لم يكتفِ الشاعر “سعيد السراج” بالكتابة فقط بل كان على مدار سنوات ومنذ تحرير مدينة الرقة من مرتزقة داعش وجهاً جميلاً لعودة الحياة الأدبية إليها من خلال إحياء مهرجاناتها الأدبية والفنية بكافة أجناسها، وتشجيع الشباب على الكتابة وإتاحة الفرصة للمواهب، فكان صاحب فكرة “منتدى أقلام رقّيّة” وعضواً مؤسّساً فيه، والذي أصبح فيما بعد وجهة لشعراء وكتّاب الرقة المبدعين، ثم أطلق بالتعاون مع مجموعة مع مبدعي الرقة الشباب “ملتقى أطياف” الذي اتسع لمبدعي شمال وشرق سوريا، كما كان من أركان نجاح “مهرجان الفرات الأدبي الأول” الذي انطلق أواخر شهر أيار 2025، بمشاركة شعراء من مختلف أنحاء سوريا، ليكون بذلك الشاعر والأديب متّسعاً رحباً لكل صنوف الإبداع ومانحاً الحياة في وقتٍ ضاقت فيه الحياة على أهلها.
هذا وقد حصل الشاعر “سعيد السراج” على عدة جوائز في مدينة الرقة وعلى مستوى شمال وشرق سوريا وسوريا وحصل على جائزة “شعراء العزة” التي أقيمت في الكويت خلال عام 2024.