رفيق إبراهيم
المتابع لشؤون سوريا، يرى بأن التحركات المريبة الأخيرة لداعش، تثير القلق وتكشف نواياه بإشعال الساحة السوريّة مرةً أخرى، خاصةً بعد سقوط النظام السوري السابق، حيث تستغل داعش حالة الفراغ الأمني، لإعادة ترتيب صفوفها على أمل أن تحقق تموضعاً جديداً، للقيام بهجمات تضرب الأمن والاستقرار الهش أصلاً، في العديد من المناطق السوريّة، رغم إعلان النصر النهائي العسكري عليه في آخر معاقله بالباغوز، عندما أعلنت قوات سوريا الديمقراطية، القضاء عليه، عسكرياً ومكانياً.
ففي الستة الأشهر الماضية، صعّدت داعش من هجماتها تارةً ضد العسكريين، وأخرى ضد المدنيين، مستغلةً الأوضاع الداخلية في سوريا، وأيضاً ما يحدث خلف الحدود السوريّة، وعلى ما يبدو أن هناك جهات تستفيد من تحركات داعش، كي تستخدمها كورقةٍ لتحقيق أجنداتها، وحذرت مصادر إعلامية من تصاعد الهجمات الإرهابية لداعش، مراراً، في سوريا، وخاصةً بعد تسلّم هيئة تحرير الشام زمام الأمور.
تراجع هجمات داعش حتى كانون الثاني 2025، لكن في شباط عاد نشاطه للظهور وكثّف من هجماته، حيث وصل عدد هجماته إلى 38 في أيار المنصرم، وهذا دليل على تزايدها في الأشهر القليلة الماضية، حيث كانت العشرات من تلك الهجمات ضد مناطق تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، على نقاط عسكرية وأيضاً مراكز خدمية مدنيّة، ما يدل على إن داعش ومع مرور الوقت يشعر بحالة من الاطمئنان، ويحاول استغلال الفرص المتاحة للتوسّع وخلق الفوضى، وضرب الأمن والاستقرار في المنطقة.
الثِقل الرئيسي لداعش يكمن في تواجده بالمساحة الممتدة بين تدمر ودير الزور، وهي مناطق شبه صحراوية مترامية الأطراف، تساعد على اختباء داعش عن الأنظار، كما إن داعش استفاد من مسألة الأوضاع الاقتصادية للسوريين، والوضع المضطرب إبّان سقوط النظام السوري، وأغرى العديد من الأشخاص بالمال، وانضم العشرات لصفوفهم تحت تلك الظروف.
تتركز هجمات داعش في هذه الأوقات على استهداف المناطق البعيدة نوعاً ما عن الأنظار والحماية، ومحطات الوقود، والعسكريين ونقاطهم، حيث يسعى لخلق الخوف بين المواطنين والتشكيك بقدرة القوى التي تحميهم، في محاولة لإمالة آرائهم، كما أنه يعتمد على الدعاية الإعلامية، من خلال القيام بنشر مقاطع فيديو، للهجمات التي يقوم بها، لتعزيز ثقة أنصاره به، وتجنيد المزيد من الأشخاص للانضمام إلى صفوفه.
من الأمور المهمة التي تستفيد داعش منها، هي تواجد عشرات الآلاف من أُسر وعناصر داعش في سجون الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، والتراخي الدولي في إنهاء هذا الملف، الذي يُثير العديد من المخاوف حول مهاجمة داعش لتلك السجون، ما قد يؤدي إلى فرار جماعي لهم، سيكون من الصعب السيطرة على الأمور بالشكل المطلوب، فيما لو حدث ذلك، ويؤدي إلى عواقب وخيمة على المنطقة، وعلى العالم بأسره.
أي نشاط لداعش وعودته إلى الواجهة، سيؤثر على دول الجوار بالدرجة الأولى، وخاصةً العراق الذي يعاني أصلاً من هذه المشكلة، والضرر الأبرز من عودة داعش، سيكون على المدنيين العزّل، الذين سيعانون من حرية العمل والتحرك في المناطق التي تشهد هجمات بين الحين والآخر، كما أن الهجمات ستقوّض جهود إعادة الإعمار، واستتباب الأمن، وستعقّد عملية التوصل للحلول عبر الحوار.
الكل يجمع على أن داعش في حكم المنتهي عسكرياً، ولكن هل انتهى عملياً على الأرض..؟، هذا ما يمكننا الحديث عنه، وليكون في علم المجتمع الدولي والمحلي، إن الخيار العسكري لن يؤدي إلى النتائج المرجوة. لذا، على القوى المحلية والدولية، القيام بتجفيف منابع الفكر المتطرف، والداعمين الخارجيين له، عبر عملية تنمية شاملة، وتوفير المتطلبات الأساسية للسوريين، وذلك يحتاج إلى تضافر كافة الجهود، والتنسيق بين الحكومات والإدارات المحلية، والمجتمع الدولي، للمساهمة في تقديم الحلول المستدامة، لإنهاء داعش فكرياً والقضاء عليه بشكلٍ نهائي.




