ولات جامو
ليست الأحلام ترفاً فردياً كما تبدو في ظاهرها، بل قد تكون الجذوة الأولى لنهضة شعب أو ولادة أمة. فكيف إذا كان الحلم بحجم وطن، وهوية، ومستقبل؟ في الشرق الأوسط، حيث تتشابك الأقدار بالجيوسياسة، وتتنازع الشعوب على خرائط ورثتها عن انهيارات إمبراطوريات، يبدو أن الحلم الكردي هو الأكثر تعقيداً، وربما الأكثر ظلماً.
يولد الكرد في أربع دول، ولا يولدون في واحدة. إنهم أبناء جغرافيا قاسية، تشبه الأم التي وزّعت أبناءها على أربعة بيوت متباعدة: باشور كردستان (جنوب كردستان ضمن العراق)، روج آفا (غرب كردستان في سوريا)، روجهلات (شرق كردستان في إيران)، وباكور (شمال كردستان في تركيا).
لا يجمعهم كيان سياسي واحد، ولا دستور، ولا لغة رسمية موحّدة، هذه القسمة لم تكن مصادفة، بل نتاجٌ مباشر لاتفاقيات استعمارية رسمت الشرق الأوسط الجديد بدمٍ بارد، وأقصت الكرد عن خارطة الدول المعترف بها.
معاهدة سيفر عام 1920 وعدت الكرد بوطنٍ، لكنها سرعان ما أُجهضت بمعاهدة لوزان 1923، التي تجاهلتهم تمامًا، وشرعنت تقسيمهم. منذ ذلك الحين، صار الحلم الكردي مشروعًا مؤجلاً، يتنقّل بين الخرائط لا ليبحث عن وطن، بل عن “مكان للبقاء”.
في باكور، مُنع الطفل الكردي من تعلم لغته، وتمّ تتريك الذاكرة واللغة والتاريخ. في روج آفا، حُرم عشرات الآلاف من الجنسية، وسُمّيت قراهم بأسماء عربية بقرار فوقي. في روجهلات، طُمست الثقافة الكردية ضمن هوية فارسية مركزية، وجرّمت الكلمة الحرة، أما في باشور كردستان، فكان الألم مضاعفاً، من الأنفال إلى حلبجة، حيث امتزج القمع بالدم.
مثلما خانهم الخارج، خان الكردَ أيضًا الداخل. في باشور كردستان، كانت الانقسامات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني سبباً في إضعاف الموقف السياسي، بل والتصادم في مراحل تاريخية. في روج آفا، تنوّعت القوى، من مجلس سوريا الديمقراطية إلى قوى الإدارة الذاتية والمجلس الوطني الكردي، وكلٌّ يحمل رؤى متباينة أحيانًا.
في باكور، بقي حزب العمال الكردستاني رأس حربة المشروع التحرري، لكنه أثار قلقاً إقليمياً واسعاً، وأحياناً انقسمت المواقف الكردية بشأنه. وفي روجهلات، بقيت الحركة الكردية محصورة بين العمل السري، والملاحقة الأمنية، وبين محاولات التنسيق مع أطراف معارضة أوسع.
كل انتصار كردي عومل في عواصم الجوار ككارثة يجب تطويقها. تركيا تعتبر أي مكسب كردي تهديداً مباشراً لأمنها القومي. إيران ترى في كرد روجهلات شعلة قابلة للاشتعال في خاصرتها. العراق المركزي يتعامل مع باشور كردستان بتحفّظ، رغم الاعتراف الدستوري به ككيان اتحادي.
ورغم كل هذا، لم يُكسر الحلم الكردي. في باشور، كيان شبه مستقل، له برلمانه وجيشه ومؤسساته. في روج آفا، نموذج إدارة ذاتية يسعى لترسيخ نفسه رغم الضغوط. في باكور، لا تزال الكلمة تُقاوم ولو من خلف القضبان، وفي روجهلات، تتجدد الانتفاضات، كما رأينا في انتفاضة “المرأة.. الحياة.. الحرية”.
تعثّر الحلم الكردي لأنه حُمل على أكتاف أمة موزعة في خرائط الآخرين، ولأن الدول التي وُلد فيها لم تعترف به كشريكٍ، بل كخطرٍ، لكنه حلم لا يموت، لأن الجرح لا يُشفى بالصمت، بل بالفعل، ولأن الذاكرة الكردية أثبتت قدرتها على حمل الحلم حتى في زمن الخذلان.
وربما تبقى أجمل عبارة تلخّص هذا الحلم، هي تلك التي يرددها كثيرون من الكرد: “نموت واقفين… لأن الحلم لا يُركّع”.




