أحمد عبد الرؤوف
رغم حالة الإقصاء التي تعرّض ومازال يتعرض لها الكتّاب السوريون عموماً والكتّاب في مناطق شمال وشرق سوريا على وجه الخصوص منذ عقود مضت، مازال الأديب هنا تفرضه الكلمة الصادقة بحسها الأدبي العالي، وحضورها المتزن شكلاً وتأثيراً في الساحة الأدبية.
القاص والروائي ابن مدينة الحسكة “خليل العجيل” فاز مؤخرا بجائزة المتنبي الأدبية في القاهرة عن قصته “ظلٌّ على نهر الخابور” والتي جسّدت جلياً انتماء الكاتب لبيئته بكل تفاصيلها النفسية والاجتماعية والثقافية، وليكون سفيراً للكلمة الأخّاذة في الجزيرة السورية لكل الأوساط الأدبية الأخرى.
وفي حوار لصحيفتنا “روناهي” مع القاص والروائي “خليل العجيل” بيّن أنه كتب النص الفائز خصّيصاً للمسابقة التي أقيمت في القاهرة مراعياً القواعد والشروط الخاصة بها من حيث عدد الكلمات في النص، مشيراً إلى أن اختيار الموضوع وحضور نهر الخابور الذي اعتبره ذاكرة الجزيرة السورية، كان تحدياً بأن الكاتب يستطيع إبراز طبيعة بيئته في المحافل الأدبية جميعها، كما أكد أن هناك الكثير من المواهب الأدبية الصاعدة التي لم تأخذ مكانها الذي تستحق، ورغم ذلك نجد أن “خليل العجيل” متفائل بذائقة الجمهور الذي يرى فيه قارئاً جيداً للقصة يقرأ بعين الناقد والمتابع للحبكة الفنية إن وجدت كما يليق بالعمل الأدبي.
“ظلٌّ على نهر الخابور” قصة قصيرة أبطالها نورهان وسامر، تصوّر حالة عاطفية جرت أحداثها على نهر الخابور في مدينة الحسكة، حيث التقيا أول مرة ثم افترقا يحملان ذكريات الصفصاف وخرير مياه لم تعد موجودة حين استجابت لفراق الأحبة، وحين مرّ الزمن سريعاً لم تكن خطواته هادئة بما يجعل لقاءهما عابراً، لتحفر الذكرى بأبطال الكاتب جراحاً عميقة، استعمل لها لغة قريبة للنفس، مكثفة بالشعور، موجزة بالمفردات، يقول الكاتب: “مرّت نورهان بالقرب منه، خطواتها كانت هادئة، لكن عينَيْها حملتا ذلك الثقل الذي يتركه الفقد في الأرواح. لم يكن لقاءً مخططًا، لكنه حمل إحساسًا مألوفًا، كأن الحياة قررت أن تعيد ترتيب أوراقها دون إذن منهما”.
الحوار كان فلسفياً يؤثر في النفس ويبعث برسائل يقرؤها الشعور قبل أن تقرأه العيون بلغته المجردة، يحمل انتماء لمكان يجسد قصة البطلين، وكأن مشاعر الحب مرتبطة بالمكان وهو ذلك المقعد الخشبي على نهر الخابور حين يقول:
“— ” لم أتوقّعْ أن أراكَ هنا”. قالت، وعيناها تبحثان عن شيء في ملامحه.
— “ولا أنا”. أجاب، دون أن يبتعد عن الماء بعينيه، جلسا على المقعد الخشبي القريب، كان الصمت بينهما أكثر وضوحًا من الكلمات. كلاهما جاء إلى هنا بعد انفصالٍ ترك أثره في الداخل، دون أن يمنحهما فرصة للنسيان الحقيقي”.
وعند سؤال الكاتب عن ارتباط أيِّ مادة أدبية بتجربة صاحبها الشخصية، أشار إلى أن الكتابة انعكاس واقعي للحالة النفسية والاجتماعية لروح الكاتب وما يعيشه في محيطه بشكل مباشر، وإن اختلفت أسماء الشخصيات، واستفاض القاص بتفاصيل الحكاية، “ظلٌّ على نهر الخابور” عمل فني يرتكز إلى زمنين الأول في الذاكرة والثاني حاضر سردي بين الشخصيتين الرئيسيتين، وبين الزمنين يتكثف حوار درامي يفيض بالعواطف والربط المحكم على مستوى البناء اللغوي حين يقول:
“نظر سامر إلى النهر، كان يتحرك بلا توقف، كأنه يحمل ما تبقى من الأصوات القديمة التي لم يستطع الزمن محوها، شعر بشيء في داخله يتكسر، يشبه الذكريات لكنه ليس ذاكرة كاملة، بل ظل امتد من زمن مضى إلى هذه اللحظة.
ـ سامر، لا أحد يعود دون سبب. قالت نورهان، وصوتها بدا أكثر هدوءً مما يجب.
ـ وأنتِ، لماذا عدتِ؟ سألها، كأنه يختبر فكرة العودة من خلالها.
ـ لأنني جربت الرحيل، لكنه لم يبعدني عني.
صمتت للحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت:
ـ كل شيء يبدو أنه يمضي، لكنه يبقى في الداخل بطريقة لا نفهمها،
نظر إليها، كانت تمسح حواف كوب القهوة بأطراف أصابعها، كأنها تمحو شيئًا لا يُمحى.
للحظة، كان يريد أن يسألها عما حدث بعد الانفصال، لكنه أدرك أنه ليس بحاجة لذلك. كل شيء كان حاضرًا في الصمت”.
ثم يختتم الكاتب قصته بالربط بين عنوانها ومضمونها واستقامة الزمن فيها على ما فيه من تواتر مكثف تكاد لا تتسع له القريحة، ثم تتسع له بكرم شديد، يكون إجابة للمتلقي على كل ما دار في قلبه وعقله من تساؤلات خلال قراءة النص منذ البداية وأحداثه تتسارع ببناء تأثيرها الشعوري والفني في ذهن القارئ الذي أصابه الظمأ للجملة الأخيرة فيقول: “نظر سامر إلى ظلّه الممتد على الأرض، كأن النهر يعكسه بطريقة مختلفة. أدرك حينها أنه لم يكن يبحث عن المدينة، بل كان يبحث عن ظلٍّ تركه هناك، ظلٌّ انتظرَه طويلاً دون أن يختفي”.
ويذكر، أن القاص والروائي “خليل العجيل” له ثلاث روايات مطبوعة وهي بالترتيب الزمني لإصدارها “عارية تحت المطر ـوجدران العزلة ـوكوابيس الندم”.




