قامشلو/ دعاء يوسف – في قلب روج آفا، حيث تختلط الأرض بالحكاية، والمقاومة بالكلمة، انطلق مهرجان القصة الكردية العاشر ليؤكد من جديد أن الأدب الكردي لا يزال ينبض رغم التحديات، وقد جمع المهرجان كُتّابًا مخضرمين وشاباتٍ وشبّانًا من مختلف مدن المنطقة، حملوا معهم قصصًا تنبض بالهوية، الذاكرة، والحلم، في فضاء احتفالي ثقافي، تحوّل الحرف إلى فعل مقاوم، وأصبحت القصة وسيلة لإحياء اللغة وتوثيق معاناة الشعوب وأحلامها.
انطلقت يوم الجمعة في الثالث عشر من حزيران فعاليات مهرجان القصة القصيرة الكردية في نسخته العاشرة، في حديقة القراءة بمدينة قامشلو، وسط حضور واسع من الكتّاب والمثقفين والفنانين، إذ ينظم هذا المهرجان اتحاد الكتّاب الكرد في سوريا سنويًا، واختير له هذا العام شعار “روج آفا أرض قصص المقاومة”، في إشارة إلى دور القصة في حفظ الثقافة والهوية والذاكرة الجمعية للكرد، ونقلها إلى الأجيال القادمة، ولتسليط الضوء على مقاومة روج آفا وقصص أبطالها.
واكتفت دورة هذا العالم بمشاركات من داخل روج آفا على عكس العام الماضي الذي تميز بمشاركات من أجزاء كردستان الأربعة، إضافة إلى مشاركين من بلاد المهجر مثل السويد، وهولندا، وبريطانيا؛ ما أضفى طابعًا دوليًا وتنوعًا ثقافيًا على فعاليات المهرجان، كما تقلص عدد القصص التي استوفت شروط المهرجان لهذا العام إلى 20 قصة قصيرة فيما وصلت قصص العام الماضي 41 قصة قصيرة.
أبدى المشاركون حماساً واضحاً، وأكدوا أن مشاركاتهم تأتي من منطلق المسؤولية الأدبية والهوية الثقافية المشتركة، مؤكدين على أهمية المهرجان منصة للتعبير عن الذات، والتفاعل مع قضايا المجتمع، وتطوير الأدب الكردي.
والقاصون المشاركون في المهرجان هم: “لوجين إبراهيم – وبيشروج جوهري – وعادل أحمد إبراهيم – وآلان زكي عبد الله – وميديا بركات – وهشيار مراد – وجواني عفدال – ودلوفان ساروخان – ونسرين عمر – وقادر عكيد – وشيرين الحسن – وميلاد غزالي – وأمين سعدون – وروجين موسى – ودلبرين بطال – وميلاد محمد – وبنكين حمزة – وفاطمة أحمد – وخورشيد خالد – ولميس محمد”.
حدث أدبي وثقافي بارز
يتضمن برنامج المهرجان، الذي يستمر خمسة أيام، قراءات مباشرة لقصص قصيرة كتبها القاصون وستكون قراءة القصة من كتابها فقط، وفي اليوم الخامس والأخير، سيتم تكريم الفائزين الثلاثة الذين تختارهم لجنة متخصصة، وتُمنح الجوائز على النحو التالي، الجائزة الأولى300 دولار أمريكي، والجائزة الثانية 200 دولار أمريكي، فيما سيمنح 100 دولار أمريكي للفائز الثالث، بالإضافة إلى دروع وشهادات تذكارية وتقديرية لمشاركة القاصين في المهرجان.
وقد أشاد الحضور بالقصص التي تناولها القاصون في اليوم الأول لهذه الدورة، ونوهوا أن بقية القصص ستكون قصص مقاومة وصمود لشعوب روج آفا التي ستكون سطور مقاومة في دفاتر التاريخ يؤرخها كتاب المنطقة ممن تميزوا بحب شعوبهم.
هذا وقد بين عضو اللجنة التحضيرية نوشين بيجرماني أن مهرجان القصة القصيرة الكردية يمثل حدثًا أدبيًا وثقافيًا بارزًا في المشهد الكردي، ويساهم في تعزيز الإبداع، وبناء جسور بين الكتّاب والجمهور، داخل الوطن وخارجه، وفي ظل الظروف التي تمر بها المنطقة، يبقى الأدب أداة قوية للحفاظ على الذاكرة، والدفاع عن الوجود، ورسم ملامح المستقبل.
ونوه أن أكثر الأدباء الكرد يتجهون إلى القصيدة وكتابة مقالات، ويهمشون القصة في الأدب الكردي ومن هذا المنطلق أقيم المهرجان للتذكير بأهميتها: “تعبر القصة عن الحياة والحالات التي تلامس القلوب، إذ إنها فاعلة في المجتمع ومؤثرة فهي تلامس القلوب وتساعد في تكوين صورة سهلة ومفهومة للقارئ”.
اختتم عضو اللجنة التحضيرية نوشين بيجرماني حديثه “أن مهرجان القصة القصيرة الكردية انطلق منذ عام 2014م، ولا يزال مستمراً كل عام، وقد توقف على مدار سنتين فقط بسبب جائحة كورونا والظروف التي مرت بها المنطقة والأوضاع الأمنية: “ما زلنا نسعى لتحسن المهرجان واختيار أفضل القصص، وقد تقدم الكثير من القاصين بقصصهم للمهرجان إلا أنها لم تستوفِ شروط المهرجان”.
قصص من قلب المجتمع
ومن خلال لقاء صحيفتنا “روناهي” على هامش اليوم الأول من المهرجان القاصة لجين إبراهيم؛ بينت أهمية مشاركتها في المهرجان: “النسخة العاشرة من مهرجان القصة الكردية تجربة ثقافية متميزة، ذات طابع إبداعي وإنساني عميق، لقد أتاحت لي هذه الفعالية فرصة ثمينة لتقديم عملي القصصي ضمن منبر أدبي يحمل طابعًا وطنيًا، ويمنح الأصوات الكردية فضاءً للتعبير بلغتها الأم، في سياق احتفالي راقٍ يكرّس حضور الأدب في الحياة العامة”.
وتعد هذه المشاركة الثانية للجين في المهرجان؛ وأضافت: “من أبرز ما لفت انتباهي في هذا المهرجان، هو التنظيم الجيد، والاهتمام النوعي بالمشاركات من حيث القراءة، والتقييم، والنقاش النقدي، لقد لمستُ حرص اللجنة المنظمة واتحاد الكتّاب الكرد على إتاحة المجال أمام الأصوات الشابة والطاقات الجديدة، دون أن يتم التغاضي عن المستوى الفني والأدبي للمحتوى”.
وتابعت: “تميزت جلسات القراءة بجوّ من الاحترام والتقدير المتبادل بين الكتّاب والحضور، كما شكلت الملاحظات النقدية المقدَّمة من الأدباء والمختصين فرصة حقيقية لتطوير أدواتي السردية، والتفكير بأسلوبي من منظور نقدي بنّاء، وكان لوجود التنوع في المواضيع والأساليب القصصية، فضلٌ في إغناء الفعالية وتوسيع أفق التلقي لدى الجميع”.
وشاركت لجين في قصة بعنوان “حياة جديدة” تروي قصة والدة شهيد بقيت على أمل عودة ولدها إلا أنها استمرت في الحياة من أجل أطفالها، وأضافت: “أعتبر مشاركتي في هذا المهرجان خطوة مهمة في مسيرتي الأدبية، ليس فقط لما تتيحه من عرض وتفاعل مباشر، بل لما تمنحه من اعتراف معنوي بقيمة الإبداع باللغة الكردية، في ظل واقع ثقافي ما زال في طور التأسيس والانفتاح”.
واختتمت القاصة لجين إبراهيم حديثها: “أتطلع إلى استمرار هذه المبادرات التي تؤسس لبيئة أدبية صحية، وتُسهم في بناء هوية ثقافية راسخة لجيلٍ جديد من الكتّاب والمبدعين الكرد”.




