صبري يوسف (أديب وتشكيلي سوري/ إستكهولم)
هذهِ القصيدةُ بوحٌ دينيٌّ موشَّحٌ برؤية شعريّة تحتفي بالاحتفالِ العجائبي الخاص بقيامةِ السَّيّد المسيّح، وتحملُ القصيدةُ في فضاءَاتِها بُعداً روحيَّاً وإيمانيّاً عميقاً، وُلِدَتِ القصيدةُ على إيقاعٍ موسيقيٍّ يناسبُ النّشيدَ الدَّينيَّ الرُّوحيَّ لِمَا في القافيةِ الرّائيّةِ المضمومةِ مِنْ مِساحةٍ لَحنيّةٍ مَفتوحةٍ على فضاءِ الإنشادِ الكنسيِّ، فقدْ سبقَتِ القافيةَ الألفُ المَمدودةُ مِمّا عزّزَ تَناغُمَ الإيقاعِ مَعَ مضمونِ ما جاءَ في فضاءِ القصيدةِ. تخلَّلَتْ في متونِ القصيدةِ صورٌ مناسبةٌ لخصوصيّةِ وعجائبيّة هذا العيدِ المبارَكِ، وصاغَ عوالمَ القصيدةِ بلُغةٍ سهلةٍ وسلسةٍ غيرِ متشابكةٍ مَعَ الغموضِ بَلْ كانَتْ واضحةً كي تصلَ إلى المتلقِّي ببساطةٍ ويسرٍ، لأنَّ الشَّاعرَ أرادَ أنْ يترجمَ رؤاهُ بأسلوبٍ بسيطٍ وسهلٍ، وعميقٍ، فوُلِدَتِ عوالمُها في فضاءِ الأدبِ الرَّصينِ.
يمتلكُ الشَّاعرُ لغةً مَشحونةً بالإيحاءَاتِ الرُّوحيّةِ المُكتنزةِ بتجلِّياتٍ دينيّةٍ شاهقةٍ في مضامينِها المرتكزةِ على رؤيةٍ مجنَّحةٍ نحوَ رِحابِ انبعاثِ الجمالِ المتجدِّدِ بشغفٍ مُتناغمٍ مَعَ صفاءِ الرُّوحِ وهي تُحلِّقُ في مَرامي السُّموِّ الرُّوحي، وكأنَّ الشَّاعرَ في حالةٍ تجلٍّ مصحوبٍ بابتهالاتِ حُبورِ الرُّوحِ، مُجسِّداً ضياءَ النُّورِ المنبثقِ مِنْ أعماقِهِ، كأنَّهُ في حالةِ إنشادٍ مَعَ ما يموجُ في خيالِهِ مِنْ حنينٍ إلى لقاءِ الأحبّةٍ في مثلِ هذهِ المناسباتِ الرُّوحيّةِ المُفعمةِ بالبهجةِ وابتهالاتِ القلوبِ في ذروةِ تعبُّدِها وصفائِها ضمنَ هذهِ الأجواءِ المقدَّسةِ الَّتي تسربلُهُ بكلِّ بهجةٍ وانتعاشٍ. 
يتميَّزُ الشّاعرُ باستعاراتِهِ، وصورهِ الجديدةِ بلُغةٍ شفيفةٍ واضحةٍ، بما تتضمَّنُ مِنْ آفاقٍ روحيّةٍ وإيمانيّةٍ، فقد شبّهَ قيامةَ السَّيدِ المسيحِ كنورٍ مُقدَّسٍ يمسحُ الخطيئةَ الأولى ويمسحُ الظَّلامَ الَّذي يغلِّفُ حياةَ البشرِ، وجسَّدَ رؤى وآفاقَ المسيحِ، كمخلِّصٍ للبشريّة مِنْ خطاياها الّتي ورثتها مِن خلالِ الخطيئةِ الأصليّةِ الأولى. وراحَ الشّاعرُ يصوغُ صورَهُ الشِّعريّةَ، برهافةٍ عاليةٍ، مُركّزاً على مُخلِّصِ البشرِ مِنَ الخطيئةِ، ويبيّن لنا عبرَ قصيدتِهِ كيفيّةَ انقاذِ البشرِ مِنَ الظُّلمةِ ويقودُهُم إلى النُّورِ، فهو “نورُ العالم”، كما جاءَ في الكتابِ المقدَّسِ.
استخدَمَ الشَّاعرُ انزياحاً شعريّاً في تجلّياتِ بوحِهِ في بعضِ فضاءَاتِ صورِهِ، وصاغَها بأسلوبٍ باهرٍ في مدلولاتِهِ، كي يشيرَ إلى حالةِ الخرابِ الَّتي حلَّتْ في ربوعِ الكونِ، وإلى الدَّمارِ الَّذي استفحلَ في الكثيرِ مِنْ جغرافيَّاتِ العالمِ. راجياً منه أنْ يُنجينا مِنَ الدَّمارِ الَّذي يَحيقُ بنا فوق أرضِ الخطيئةِ، ويستجيبُ المسيحُ للدعاءِ الَّذي يخرجُ مِنَ القلوبِ الصَّافيةِ، كما استجابَ في الكثيرِ مِنَ الحالاتِ الّتي وردَتْ في العهدِ القديمِ والجديدِ مِنَ الأمثالِ العديدةِ الّتي وردَتْ في الكتابِ المقدَّسِ الّتي تؤكِّدُ على أنَّهُ المُخلِّصُ والشَّافي والصَّاعدُ إلى السَّماءِ.
يركّزُ الشَّاعرُ جوزيف إيليّا على استخدامِ الرُّموزِ في عوالمِ قصائدِهِ، فقد سلَّطَ قلمَهُ على الرُّموزِ الدِّينيَّةِ، والمسيحُ هنا يمثِّلُ رمزاً دينيَّاً للتحرُّرِ والنُّهوضِ، مؤكِّداً على قطبَي الحياةِ والموتِ، واليأسِ والرَّجاءِ القادم، كما يُشيرُ إلى القبرِ والنُّورِ بعدَ صعودِهِ إلى السَّماءِ، وهو يمجِّدُ القيامةَ كرمزٍ لخلاصِ البشريّةِ وانتصارِهِ على الموتِ.
وفيما يلي قصيدة: “قمتَ مظفَّرًا”:
ما أجمل عيد القيامة وأبهجه وأقدسه وأمجده
وإنّي بمناسبة قدومه الميمون أهنّئ العالم أجمع بأصدق التّهاني والتّبريكات وهذه القصيدة:
حيًّا هجرتَ قبورا
متألّقًا مسرورا
وملأتَ ظلمتَنا سنًا
وقصائدًا وحبورا
فيكَ الأماني ثرّةٌ
يُحيي نَداها بُوْرا
ما أعطرَ الدّنيا وقد
قطفتْ رؤاكَ زهورا
يا سيّدي مولايَ قُدْ
شَعبًا نأى مقهورا
متأفِّفًا متوجِّعًا
مسترذَلًا مأسورا
أبوابُهُ محروقةٌ
ولهُ أزالوا دُوْرا
ومحوا خُطا تاريخِهِ
ومعالمًا وقصورا
أيسوعُ قمتَ مظفَّرًا
هَبْنا إليكَ عبورا
لنرى الحياةَ جديدةً
فينا تزيدُ حضورا
معَ كلِّ صبحٍ ننتشي
نتلو معًا مزمورا
لا تنحني قاماتُنا
عَدْوًا نجوبُ عصورا.




