تحقيق/ رامان آزاد –
شهدتِ السنةُ الثامنة للأزمةِ السوريّةِ متغيراتٍ دراماتيكيّةً على كل المستويات، ابتداءً من خرائط الميدان والقوى المسيطرة، وحتى العناوين العامة، ليكونَ الاحتلال التركيّ لمناطق سوريّة العنوان الأبرز، والذي يعكس بشكلٍ غير مباشر سياسات القوى الكبرى.
القطبان الدوليان تنافسٌ وتفاهمٌ
يختزلُ المشهدُ السوريّ كلّ معاني الصدامِ القائم في الساحتين الدوليّة والإقليميّة، وكلها تؤكدُ إنّ القضية ليست قضية خلافات يمكن حلّها بلقاءات ثنائيّة بين الرئيسين الأمريكيّ والروسيّ أو صيغ التعاون المشروطة بينهما، فالصدام واضحٌ وهو بين محورين وموقفين متناقضين في العلن.
تحتلُ الأزمة السوريّة موقعاً جوهريّاً في السياستين الأمريكيّة والروسيّة، وهي محلّ التنسيق والتنافس بآن واحدٍ، ولكلا القوتين العظميين وجودٌ فعليٌّ على الأرض، فيما تتموضع الأطرافُ المتصارعةُ وفقاً لعلاقتها بهما، وبذلك تختلفُ المشاريعُ المقترحةُ حلاً للأزمةِ. وإذا كانت أنقرة تشذّ عن باقي الأطراف بتموضعها في هوةِ التناقضِ الأمريكيّ الروسيّ وتتأرجح بينهما، إلا أنّها تميلَ حيثُ تتحققُ أجندتُها السياسيّةُ، التي تتضمنُ مشروعَ التوسّعِ بالمنطقةِ عبر تسخير قوى راديكاليّةٍ وأخرى خارجة عن القانون لمحاربة كرد سوريا.
تضمنت كلُّ اللقاءاتِ الأمريكيّةِ الروسيّةِ تفاهماتٍ تمظهرت على شكلٍ تفويضٍ أمريكيّ لروسيا. إذ؛ من غيرِ المتوقع أن تذهبَ المسألة إلى مواجهةٍ مباشرةٍ للقوتين في الميدانِ السوريّ، ومن جملة هذه التفاهماتِ تحديدُ انتشارِ الوجودِ العسكريّ الإيرانيّ وحزب الله وتحديداً جنوبَ سوريا، والتي مازالت هدفاً مباشراً للقصفِ الجويّ الإسرائيليّ، دون أن يكون ذلك موضع مساءلة، حتى عندما تسبّبت إسرائيلُ بإسقاطِ الإنذارِ المبكر الروسيّة إل-20؛ ما أدّى لتزويدِ سوريا بمنظومة الدفاع الجويّ إس-300. ولكن؛ إسرائيل تعاود من فترة لأخرى قصف المواقع الإيرانيّة في سوريا وآخرها في 19/1/2019.
إدلب والمعركة المؤجلة
استطاع الحلفُ الذي تقودُه روسيا أن يستعيدَ كثيراً من المناطق من قوى المعارضة المسلّحة والمجاميع الإرهابيّة وحشرِها تدريجيّاً في جغرافيا إدلب، وفقَ تفاهم ثلاثيّ أستانه الذي استطاعت موسكو من خلاله استيعابَ الدورِ التركيّ وتسخيرِه لصالحِ خطتِها بالاستفادةِ من أولى التجاربِ بإخلاءِ مدينة حلبِ من المسلّحين.
لم يكن تأجيل العملية العسكريّة في إدلب استيعاباً مجانياً روسيّاً لأنقرة وفق مقتضبات سوتشي، بل مشروطاً بإنشاء منطقة منزوعة السلاح بعمقِ 15ــ20 كم وهو اختبار لصدق نوايا تركيا التي وقفت أمام مفترق لخيارين أحلاهما مرُّ وأردوغان ابتلع الطُّعم مرغماً، فتنفيذُ الاتفاقِ يعني خسارتَه أهم أوراق الاستثمار المتمثل بالإرهاب الذي كان على وشكِ إعلان إدلب دويلةً إسلاميّة، وبالتالي تعجيلُ خروجها من كامل الأرض السوريّة، أما في حال رفض الفصائل التي ترتبط بأنقرة تنفيذ مضمون الاتفاق؛ فهذا يعني البدء بالعملية العسكريّة مع افتراض مشاركة تركيّة فيها؛ ذلك لأنّه يُفترض أنَّ تركيا مُنحت مهلةَ شهر لإنجاز منطقةٍ منزوعةِ السلاح وخالية من الإرهاب، على أن يُجمعَ فيها السلاحُ الثقيل والمتوسط تمهيداً لضمّها إلى المسارِ السياسيّ. ولكنها؛ لم تكن جادة بتنفيذ الاتفاق لإدراكها أنَّ الحسمَ العسكريّ في إدلب سيعجّل النقاشَ حول مصير عفرين وباقي المناطق التي تحتلها، ولذلك راح أردوغان يثير زوبعة التهديد بالعدوان على شرق الفرات ويستجدي موافقة روسيّة بأيّ صيغةٍ كانت.
على الضفة الأخرى للأطلسي؛ ارتفعت حدّةِ الخطاب في واشنطن من أجل إدلب وكانت له أسبابٌ مختلفةٌ، إذ أنّ إنجاز معركة إدلب سيفتح مجال النقاش حول منطقة شرق الفرات مع الجانب الروسيّ، وواشنطن ليست في وارد هذا النقاش في المدى المنظور إلا بعد استكمال خروج القوات الإيرانيّة وحزب الله. ولعلها تتطلع لخروج الروسيّ نفسه.
حاولت أنقرة الاستفادةُ من الوقت والضمانات التي حصلت عليها من ألدِّ خصومها (موسكو وطهران) والتلاعب بشكلِ تنفيذ الاتفاق وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المرتزقة عبر نقلهم إلى مناطق أخرى، فكانتِ المعارك الشكليّة التي خاضتها هيئة تحرير الشام (النصرة) ضد لواء نور الدين الزنكي والتي انتهت بحلِّ اللواء نفسه وانتقال عناصره إلى عفرين ومن بعده حلَّت حركة أحرار الشام المؤلفة من 12 فصيلاً نفسها وذابت لينتقلَ بعض عناصرها إلى عفرين، ومع إعلان الجولاني استعداده للقتال إلى جانب القوات التركيّة شرق الفرات يتضح أنّ أنقرة ما زالت تمسكُ بقياد الفصائل المسلحة على اختلاف مسمياتها وأنّها أضحت الملاذَ الوحيد لهم.
سجال روسيّ أمريكيّ لاستدراج تركيا






