علي زاخراني
يطلّ علينا عيد الأضحى المبارك كل عام، حاملاً في طيّاته مشاهد الفرح والطاعة، واللقاء والمغفرة، لا يأتي العيد حدثاً عابراً في رزنامة الزمن، بل حالة شعورية جماعية تعيد ترتيب الأولويات، وتوقظ في القلوب معاني الرحمة والمحبّة، وتنعش في النفوس روح الطاعة والانتماء إلى جماعة الإسلام، في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتتآكل فيه الأواصر الاجتماعية، يبقى العيد محطة روحية واجتماعية تُعيد للإنسان توازنه الداخلي وعلاقاته مع من حوله.
منذ طلوع فجر يوم العيد، تسري في الأرجاء نسماتٌ من البهجة، تبدأ بالتكبيرات التي تملأ المساجد والأسواق، وتُعلن حلول يومٍ ليس كسائر الأيام. تتزيّن البيوت، وتلبس القلوب أجمل ما فيها من مشاعر، ويخرج الناس لصلاة العيد متعطرين بثيابهم، متهللين بوجوههم، ذلك لأن الفرح في العيد ليس مجرد زينة ظاهرة، بل هو فرح إيماني ينبع من أعماق الطاعة؛ فرحٌ بمن أدى حجه، وفرحٌ بمن قدّم أضحيته تقرّباً لله، وفرحٌ بمن وجد في العيد فرصة ليُسرّي عن قلب حزين أو يُدخل السرور على فقير أو طفل.
وفي العيد، تتجلى إنسانية الإسلام، ففي كل تكبيرة، معنى للتوحيد، وفي كل أضحية، رمز للفداء والطاعة، وفي كل زيارة أو مصافحة، بعثٌ جديد لأواصر طالها الغبار، العيد لا يعرف الضغينة، بل يُربّت على كتف الخصام ويقول: آن الأوان أن ننسى ونسامح، وهو لا يرضى بالعزلة، بل يدفعك نحو أبواب الأقارب الذين تقطعت بينك وبينهم السبل، فيدفعك لتزورهم، وتسأل عن أحوالهم، وتجلس معهم على مائدةٍ واحدة، مهما اختلفت القلوب أو تباعدت الآراء.
آداب العيد في هذا السياق ليست شكليات، بل قيمٌ أخلاقيةٌ تُنقّي النفس وتُهذّب السلوك، فالغُسل والتجمّل فيه احترامٌ لجمال المناسبة، والخروج لصلاة العيد إعلانٌ جماعيٌ لوحدة الأمة، والتكبير فيها إحياء لذكر الله وشكرٌ على نعمه، وذبح الأضحية مشاركة للخير وامتثال لأمر الله تعالى، مصداقاً لقوله تعالى: “فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ”.
وما أجمل أن تُوزّع لحوم الأضاحي على الفقراء، فيشعر الجميع ببركة اليوم وسِعة الرزق وروح التكافل. أما التسامح، فهو جوهر العيد، ومِلح العلاقات الإنسانية، فمن منا لا يحمل في قلبه شيئاً من العتاب أو الألم؟ ومن منا لا يشتاق لسلامٍ مع صديق قديم، أو لصوت أمٍ أو أبٍ فقدنا التواصل معهم؟ العيد هو الفرصة الذهبية لفتح صفحة جديدة، لتجاوز الكبرياء، ولإلقاء السلام على من خاصمناهم بالأمس، وما أجمل أن يكون أول يوم من العيد، يوم العفو عن الزلات، وبدايةً لعلاقات أكثر صفاء. وقد قال رسول الله ﷺ: “ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِن مالٍ، وما زادَ اللَّهُ عبدًا بعَفْوٍ إلَّا عزًّا”.
ولا يكتمل بهاء العيد دون الحديث عن صلة الرحم. في أيام العيد، تتجه الخطا إلى بيوت الأهل، كباراً وصغاراً، حيث تُصافح القلوب قبل الأيادي، وتُختصر المسافات بكلمة طيبة، أو حتى برسالة هاتفية. فصلة الرحم ليست واجباً دينياً فحسب، بل هي حصن للمجتمع من التفكك، وسند للنفوس في زمن الوحدة والخذلان، أن تزور عمّك أو خالتك، أن تجلس مع والديك وتُقبّل أيديهما، أن تفرح مع أبناء إخوتك… تلك أفعال بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طيّاتها رسائل محبة لا تُقدّر بثمن، ويكفي أن نعلم أن النبي ﷺ قال: “من أحبّ أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره، فليصل رحمه”.
وختاماً، يبقى العيد أكبر من مناسبة زمنية، إنه موسم تجديد الروح، وبعث الأمل، وترميم العلاقات، فلنحسن استقباله، ولنجعل لحظاته جسراً يمتد من القلب إلى القلب، ومن البيت إلى الحيّ، ومن الفرد إلى الأمة.
وكل عام وأنتم بخير، عيدكم طاعة ومغفرة، وسلامٌ يعمّ القلوب والأوطان.




