أفيندار مصطفى
في السياسة، لا تُقاس القوى بما تُسقطه من أنظمة، بل بما تُبقيه واقفًا في خدمة مصالحها. الإمبراطوريات الحديثة لا تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى هندسة دقيقة للفوضى، وإدارة مثالية للخطر.
في هذا الشرق الأوسط المُمزق، لم تعد واشنطن بحاجة لخصومٍ واضحين، فبعض من يُنادى بهم كأعداء، ليسوا سوى أدوات مؤجّلة الاستعمال. الأنظمة “الوظيفية” لا تُسقط، بل تُعاد برمجتها كلما لزم الأمر، لتواصل أداء دورها في إنتاج التبعية وتقويض البدائل الحقيقية.
إيران، على سبيل المثال، لا تُهدَّد بالإزالة، بل يُعاد توجيهها لتصبح عراقاً آخر: دولة محكومة بالأزمات، مُثقَلة بالمفاوضات، ومقيدة باتفاقات لا تنهي الخطر بل تضبطه، والمفاوضات هنا ليست للسلام، بل لإدارة الأزمة، ولتحرير ما تبقّى من نفط العراق من قبضة طهران، وإعادة تنظيم ميزان القوى دون كسر أحد أركانه الوظيفية. وفي الشمال السوري، لا يبدو وجود الجولاني حدثاً عابراً، فبقاءه جزء من هندسة الفوضى لا أكثر، وظيفته تفتيت البنية التركية من الخاصرة، وخلق فتنة محسوبة بين “القاعدة” والحليف التركي، تُبقي أنقرة في حالة إرباك دائم وتفقدها توازنها الإقليمي.
هذه اللعبة المعقّدة، لا تهدف إلى نصرٍ لطرف، بل إلى استنزاف الجميع، وبهذا المنطق، يُمهد المشهد لحربٍ قادمة، عراقية – سوريّة الطابع، لكنها طائفية بالمعنى العميق. تُخاض لا باسم شعوب، بل بأدوات طائفية ومليشيات، والنتيجة دائماً: قتل الأبرياء، وتمديد عمر الخرائط المصممة في الغرف المغلقة.
وفي قلب هذا الركام، يخرج صوت آخر، لا يُشبه العواصم، ولا يتغذى من النُظم، هو صوت القائد عبد الله أوجلان، الذي قدّم منذ أكثر من عقدين مشروعًا يعكس نقيض كل ما يُصنع الآن. مشروع لا يطلب السلطة، بل يعيد تعريفها. لا يُراهن على الفوضى، بل يُواجهها ببنية اجتماعية تقوم على العدالة والمساواة، وتُعيد للإنسان موقعه كمحور السياسة لا كأداة فيها.
ولعلّ الكُرد اليوم، هم وحدهم خارج هذه اللعبة. لا طائفية تُحرّكهم، ولا تبعية لإيران أو تركيا تُقيدهم. اختاروا أن يكونوا “الاستثناء”، لا بالتفرّد القومي، بل بالمشروع السياسي والأخلاقي الذي يُناضلون من أجله: بناء ديمقراطية تشاركية، تُدار من القاعدة، وتستمد شرعيتها من إرادة الناس لا من الممولين.
هذا ما يُقلق الجميع، فالمشاريع التي لا يمكن احتواؤها أو شراؤها، هي وحدها التي تُهدد النظام القائم على السيطرة، ولهذا يُحاصَر هذا المشروع من كل الجهات، ليس لأنه خطر على أحد، بل لأنه خطراً على المعادلة كلها.
فمن يظن أن الخرائط تُرسم بالحبر، لا بالنار، لم يقرأ التاريخ جيدًا.
ومن يظن أن هذا الشرق الأوسط بلا ذاكرة، لم يُصغِ لصوت الشعوب حين تُقرر أن تكون.




