حمزة حرب
سقط النظام وخرجت سوريا من عباءة الهيمنة الإيرانية، واستبشر السوريون خيراً بأن تكون سوريا حرة موحدة خارج أي هيمنة خارجية، لكن ما إن انقشع غبار السقوط المدوي للنظام إلا وقيّم متابعون الوضع، عن تبادل أدوار لتخرج إيران من الباب، وتدخل دولة الاحتلال التركي من الشباك، كما يقال، وتبقى سوريا رازحة تحت وطأة الهيمنة الإقليمية.
فإنشاء قواعد عسكرية لدولة الاحتلال التركي في سوريا كثر الحديث عنها في الأونة الأخيرة، منها قاعدتان الأولى في تدمر وسط البلاد، والثانية في مطار منغ العسكري قرب مدينة حلب في الشمال السوري، لكن القراريْن ما زالا بحاجة لتوقيع رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع ورئيس النظام التركي رجب أردوغان، إلا إن قاعدة تدمر، التي تأخذ المساحة الأكبر من الحديث إعلاميا، ستكون “بحجم قاعدة “رامشتاين” الأمريكية في ألمانيا، التي تبلغ مساحتها أكثر من 20 كم مربعاً، كما أن أنقرة ستبلغ دول العالم بأن القاعدة أرضٌ تركية.
تركة إيران.. تثير اهتمام أنقرة
منذ سقوط النظام في سوريا، كثر الحديث عن تدخل عسكري تركي في سوريا بدأ بعرض رئيس النظام التركي خططا لتدريب الجيش السوري الجديد ودعمه، كما أن مقاطع عدة انتشرت في منصات التواصل الافتراضي لما قيل إنه إرسال جيش النظام التركي معدات ثقيلة إلى مناطق حدودية في الشمال السوري.
الخطوات التي اتخذتها تركيا في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد تشي بنية وسعي إلى ترسيخ شيء ما وجديد على الصعيد العسكري، وكان هذا الأمر انعكس مؤخرا بسلسلة زيارات وعدة قرارات وتصريحات، عبر من خلالها نظام دولة الاحتلال التركي عن استعداده لتقديم الدعم، في وقت ألمحت إلى حقبة جديدة أبعد من شراكة، وأقرب إلى تحالف تام مع سوريا.
وفي إطار ما قيل: إنه ترتيبات جديدة تغير موازين القوى العسكرية في البلاد يدخل النظام التركي من بوابة “تدريب الجيش السوري الجديد”، حيث تحاول أنقرة دس السم في العسل للحكومة الانتقالية الجديدة، لأنها تسعى لإنشاء القواعد والهيمنة على الساحة السورية، لتشكل حالة من نقاط الارتكاز لها داخل الأراضي السورية، وهذا الاتفاق يتضمن إنشاء قواعد متعددة ذات سيادة مطلقة لتركيا على بقعٍ جغرافية مترامية الأطراف.
وسبق أن انتشر مقطع فيديو في منصات التواصل الافتراضي لما قيل: إنه إرسال الجيش التركي معدات ثقيلة إلى قاعدة منغ الجوية، بالتزامن مع ما ذكرته تقارير إخبارية منسوبة إلى مصادر سورية مطلعة، قالت إن تركيا بدأت نقل معدات عسكرية إلى القاعدة، بما في ذلك أنظمة دفاع جوي ورادارات، لإعادة تأهيل وتوسيع القاعدة.
ومن أبرز المواقع التي طفت على السطح هي في تدمر ذات التاريخ العريق في سوريا والإرث الحضاري الضارب في جذر التاريخ، حيث ستتكون أكبر القواعد وأكثرها تحصيناً، تقول مصادر مطلعة إن الاتفاق والأمور التخطيطية انتهت وبانتظار أن يوقع على الاتفاق رئيس النظام التركي رجب أردوغان، ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وهو ما يسمح لتركيا بإنشاء قاعدتين في المنطقة الصحراوية الواسعة بوسط سوريا، المعروفة باسم البادية.
وبحسب التقديرات الأولية فإن القاعدة العسكرية التي يخطط النظام التركي لإنشائها في تدمر ستكون بحجم قاعدة “رامشتاين” الأميركية في ألمانيا، لتصبح واحدة من أكبر المنشآت العسكرية للنظام التركي خارج حدوده، حيث يمتلك نظام رجب أردوغان أكبر قاعده العسكرية خارج البلاد في الصومال إلى جانب قاعدة عسكرية في قطر.
وتوجد لتركيا قواعد برية وبحرية وجوية ومركز تدريب في ليبيا بموجب مذكرة تفاهم غير شرعية في مجال التعاون العسكري والأمني، وقّعها أردوغان مع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة برئاسة فائز السراج في 27 تشرين الثاني 2019 وهو ما شكك فيه المجتمع الدولي باعتبار أن ليس من صلاحيات الحكومة المؤقتة، أو الانتقالية توقيع مثل هذه الاتفاقيات السيادية الاستراتيجية.
مخاوف إقليمية
اليوم التدخل التركي بهذه الطريقة وبناء قواعد يراد منها استغلال وقت بدل من الضائع الذي تمر به سوريا من تشكيل نظامٍ جديد دائم يحكم البلاد وذلك لملء الفراغ الإيراني على الساحة السورية والاستفادة التركية التي خلفها أبرز داعمي النظام السابق، بينما أتى اختيار البادية السورية التي كانت ولا تزال مرتعاً لمرتزقة داعش الإرهابي ومخبأً لمتزعميه، الذين يحظون بدعمٍ لا متناهي من النظام التركي، بما يوصف أنه بوصلة أنقرة الجديدة داخل الأراضي السورية.
فبوادر الاتفاق السوري التركي، شفهيا على الأقل، أثار قلق إسرائيل، التي تؤكد إن تعاون الحكومة السورية المؤقتة مع النظام التركي من أجل مساعدات اقتصادية وعسكرية وسياسية، وهذا ما دفعها لتنفيذ عملية عسكرية استبقت توقيع الاتفاقية، واستهدفت فيها للمرة الثانية خلال أسبوع واحد المطار الواقع في قاعدة تدمر العسكرية، بالإضافة إلى مطار قاعدة تي فور، وهي مواقع من ضمن أهداف القاعدة التركية وسط سوريا مستقبلا.
وفي الأيام الأخيرة، تحدثت تقارير غربية وإسرائيلية، لم تعلق عليها أنقرة ودمشق، عن مساعٍ تركية للتمدد العسكري في سوريا، وذكرت القناة 12 الإسرائيلية أن تل أبيب وجّهت رسالة واضحة إلى تركيا، مؤكدة أنها على علم بمحاولات أنقرة نشر قواتها في سوريا على غرار ما فعلته روسيا خلال فترة نظام بشار الأسد السابق، محذرة من أن تكون تركيا مصدر تهديد جديد.
وأفاد التقرير الإسرائيلي بأن تركيا أبلغت القوى الكبرى، بما فيها الأمم المتحدة، بأنها تعدُّ القاعدة أرضاً سيادية تركية محذّرة من أن أي استهداف لها سيُقابل برد عسكري مباشر، وهو ما يعدُّ مصدر قلق حقيقي لإسرائيل، التي ترى في سوريا مصدراً لتهديد أمنها القومي وترى الجغرافية السورية عمقاً للأمن الإسرائيلي.
النظام التركي يسعى من خلال هذه التحركات لتثبيت واقع عسكري جديد يتناسب مع التغير الكبير الذي طرأ على مشهد سوريا السياسي والأمني عامة، وقد يكون الهدف من وراء تثبيت هذا الواقع الجديد دعم إدارة أحمد الشرع من جهة، ولضمان تنفيذ مشروعها الاحتلالي في المنطقة عن طريق التغلغل في أراضي جارة لطالما خيمت على الحدود الرابطة معها الكثير المصالح الجيوسياسية.
ولا يعني ما سبق أن أي خطوة عسكرية جديدة لتركيا لن تقابلها أية “مخاطر”، سيما على صعيد سوريا أو حتى على صعيد الأمن القومي الإسرائيلي، أو بضرب العمق الأمني للدول العربية على رأسها دول الخليج التي يحاول رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع إمساك العصى من المنتصف بين أنقرة والرياض.
وعندما يكون أحمد الشرع حلقة الربط بين المصالح العربية التركية في المنطقة سيكون الوضع لإسرائيل مقلق للغاية وهو ما تأمل فيه أنقرة من خلال تحويل سوريا إلى منصة لبسط نفوذها الخارجي، ولجعلها بوابة لدخول دبلوماسيتها رفيعة المستوى في الصراع العربي الإسرائيلي.
لكن الأهم من ذلك كله، هو أن تركيا سترغب في التدخل في سوريا “لحماية مصالحها القائمة على التوسع” من خلال وجود حكومة موالية وموثوقة في دمشق تساعد تنفيذ المخططات التوسعية، وتكون متماهية مع المطامع التركية في الأراضي السورية التي تريد من خلالها تطبيق اتفاقها المللي المعهود والسيطرة على أراضي ممتدة من حلب الى الموصل.
الشرع ورسم معالم سوريا الجديدة
منذ أن وصل الشرع إلى السلطة حاول تقديم نفسه على أنه عراب رسم معالم سوريا ما بعد حكم الأسد، وهذا ما يتم العمل عليه اليوم من خلال إرضاء الأطراف للقبول به وعلى ما يبدوا أن هذه المشاريع حسب محللين تندرج في سياق الرضا الإقليمي عن الشرع فهو يحاول أن يطعم الجزرة ليتجنب العصا ولو كانت هذه الجزرة على حساب السيادة السورية.
فهذا المشروع لن يمر إلا مع ضمان الأمن الإسرائيلي من أي تهديد محتمل يصدر عن الأراضي السورية، تحديدًا من المجموعات المتطرفة، سواء كانت تحت راية “الجيش الوطني” أو جماعات أخرى متشددة دينية أو ذات طابع عقائدي وستقدم نفسها أنقرة على أنها عراب هذا الضمان للأمن الإسرائيلي.
ومع أن تل أبيب لا تثق كثيراً بهذا الضامن لأنه الراعي الرسمي للتنظيمات الراديكالية في المنطقة لكنها ربما تقبل به وتحاول احتواء الموقف لتحقيق الهدف المنشود في التطبيع معها العمل التدريجي على فتح قنوات التطبيع، كأحد الشروط الأساسية التي ترتبط بانسحاب إسرائيل من الجنوب السوري، أو بتخفيف مستوى تدخلها العسكري في المشهد السوري.
فالتطبيع، بحسب الرؤية الأميركية، لم يعد خيارًا جغرافيًا فقط، بل جزءًا من مشروع إعادة هندسة المنطقة، يبدأ من خرائط السلام وينتهي بتوزيع النفوذ، وهذا ما رأيناه من خلال التحذير الأمريكي الصريح من تسلّل المرتزقة الأجانب إلى مفاصل السلطة الجديدة، والتأكيد على عدم تولي أيّ من هذه العناصر مناصب قيادية داخل الإدارة الحاكمة في سوريا، سواء بصورة مباشرة أو عبر واجهات محلية.
فإذا ما نظرنا إلى ملامح الزيارة المفاجئة التي قام بها أحمد الشرع، رئيس الحكومة السورية الانتقالية، إلى إسطنبول، لم تكن مجرد جولة مجاملة أو لقاء بروتوكولي، بل بدت أقرب إلى استدعاءٍ عاجل لتسلُّم التعليمات بعد انهيار الأسد والمشروع الإيراني؛ لأن سوريا باتت ممرًا جيوسياسيًا هاماً واقتصادياً يتم التعويل عليه، كما أن هناك تبادلاً كبيراً للرسائل الأميركية والإقليمية على هذه الرقعة الجغرافية؛ لذا فكان حضور الشرع أشبه بجلوس على طاولة مغلقة، تُعاد فيها صياغة التفاهمات الكبرى.
فبناء على هذه السياسة من غير المستبعد أن تفتح تركيا الباب للتخلي عن بعض المناطق، التي احتلتها سابقًا، مثل عفرين، وكري سبي، وسري كانيه، في إطار صفقة أوسع تتعلّق بإعادة توزيع النفوذ الإقليمي، خصوصًا إذا جاء هذا الطلب بضمانة أميركية صريحة لرسم ملامح خريطة ما بعد الحرب في سوريا.
أما فيما يخص الزيارة التي سيجريها الشرع إلى أنقرة مجدداً والتي من المتوقع أن يتم الإعلان فيها عن بناء هذه القواعد، هي ليست مكملة للمسار إنما هي شكلية لا أكثر، فملف القواعد التركية ليس على طاولة التفاوض العالمية، وقُدمت لأجلها التنازلات الكبيرة أهمها تجاه إسرائيل، ومن يوقّع ليس شرطًا أن يكون صاحب سيادة، بل مجرد واجهة تُمنَح لتُوقّع.