فوزي سليمان
عادت التصريحات النارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في الآونة الاخيرة لتتصدر المشهد العالمي وبشكل مغاير تماماً عن سابقاتها، إذ رافق ذلك تحشد لأساطيل أمريكا في بحار المتوسط والخليج والأحمر حيث تعتبر الأضخم في التاريخ، ويأتي ذلك بعد إقصاء شبه تام لحلفاء إيران ووكلائها عن المشهد العسكري السياسي بدءاً من حماس وحزب الله ومروراً بنظام الأسد الابن وانتهاءً بالحوثيين في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، ورغم الرسائل المباشرة وغير المباشرة بين الإدارة الأمريكية الجديدة وإيران إلا أنها لا تخرج عن إطار التهديدات المتبادلة، حيث يتضح إنهما لا يزالان بعيدان جداً عن التفاهم والتهدئة، فلا إيران تقبل بالشروط الأمريكية القاسية جداً، ولا لأمريكا نيّة لإبقاء إيران كقوةٍ تفرض حضورها في العديد من الساحات وتهدد المصالح الأمريكية والغربية على حدٍ سواء، إذاً الى أين تتجه الأمور …؟! وهل فعلاً إيران هي الهدف الحقيقي لأمريكا …؟! أم إن ما وراء الأكمة ما وراءها وهناك هدف آخر…؟!
ولتوضيح الصورة أفضل لا ضير بالعودة بعض الشيء للوراء، إلى عهد ولاية الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وتحديداً إلى قمة حلف الناتو وكذلك إلى قمة ل G7 واللتان لا يفصل بينهما سوى أيام، حيث قام جو بايدن بوصف الصين وروسيا بالأعداء ..! وقد سبق ذلك التصريح خروج بريطانيا من اتحاد الدول التي تتعامل باليورو (الاتحاد الأوروبي) وكأنه أشبه بعقاب لأوروبا…! وخصوصاً فرنسا التي سُحبت من يديها صفقة الغواصات النووية مع أستراليا لصالح بريطانيا وأمريكا والتي وصفتها فرنسا آنذاك بالخيانة العظمى، وليتم بعدها مباشرةً بإعلان حلف أوكوس الثلاثي في مثلث المحيط الهادي وبحر الصين الجنوبي، بين كل من أمريكا وبريطانيا وأستراليا ويرجح أن تنضم إليه كلاً من الهند واليابان أيضاً، لتكون بذلك الصين قد حوصِرت وقُيدت حركاتها في أهم الممرات المائية العالمية، والتي وصفتها الأخيرة بتصعيد خطير يستهدفها مباشرةً.
وجاءت الحرب الاوكرانية الروسية متممة لذاك الهدف وبمعنى أدق أنها حرب متعددة الأهداف فبغض النظر عن استنزاف الروس في أوكرانيا وتدمير الأخيرة تماماً، فهي في الوقت عينه تعتبر تهديد أمريكي غير مباشر لأوروبا التي باتت غير راضية عن هيمنة الشريك الأمريكي وخصوصاً فرنسا وألمانيا وإيطاليا. ويبدو أن المساعي الحثيثة لأمريكا إلى تهدئة الأوضاع في أوكرانيا ما هي إلا غاية للتوجه إلى إشعال بؤرة أخرى تعدُّ واحدة من أقوى حلفاء الصين وروسيا – ألا وهي إيران – والتي يبدو أن قرار تحييدها قد اتُّخِذ.
عود على بدء، ما هي فرص إيران لتجنب ذلك…؟! على ما يبدو أن إيران أضاعت الكثير من الفرص لتنأى بنفسها عن صراع لن تكون فيه إلا الخاسر الوحيد، وذلك نتيجة سياساتها الخارجية والداخلية على حدٍّ سواء، وخصوصاً الداخلية منها إذ تواجه حكومة الملالي احتقان شعبي كبير على مستوى الحريات وحقوق الإنسان والمستوى المعيشي المتردي، وعلى رأس القضايا القابلة للانفجار في أي لحظة هي قضية الشعب الكردستاني ومواجهتها للشعب الكردستاني كما الأنظمة الأخرى المحتلة لكردستان بالحديد والنار، وعدم التوجه نحو حل تلك القضية التاريخية، وهكذا فإن إيران في وضعٍ لا تُحسد عليه، ورغم قيامها في الآونة الأخيرة ببعض الخطوات الخجولة إلا أنها لا تفي بشيء، ولا تنجيها من العاصفة التي تتجه نحوها، مثلها في ذلك مثل تركيا حيث إذ أضحتا تناطحان الدول المهيمنة ضد مصالحهم في العديد من الساحات وتشكل تهديداً مباشراً لتلك المصالح وعلى سبيل المثال وليس الحصر الشرق الأوسط وإفريقيا ، ويبدو العد التنازلي قد بدء والغرغرينا التي عبّر عنها القائد عبد الله أوجلان قد استشرت في إيران وتركيا على حدٍّ سواء ، والمسألة أقرب من اليقين إلى الشك، وهكذا يكون الطوق الأمريكي قد أُحكِم تماماً على آسيا برمتها وخصوصاً الصين ومن دار في فلكها.