د. هشام محفوظ
في خطوة أثارت الكثير من الجدل والانتقادات، أعلنت سلطات دمشق عن تشكيل حكومة جديدة في مراسم رسمية وسط تباشير أملٍ بتغيير المشهد السياسي. لكن؛ ما يبدو في الظاهر من خطوات تقليدية يحمل في طياته في عمقه مواصفات يرى كثيرون من المحللين أنها تعيد إلينا صورةً مألوفة للحكم المركزي وحصار التنوع الحقيقي في المجتمع السوري. كما يتضح من البيان الرسمي الصادر عن الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، فإن هذه الحكومة لم تكن سوى استمرارية في السياسات التي تعزز التهميش وتقصي جميع الأصوات التي لا تنتمي إلى التيار السائد إنه تكرار السيناريو السياسي القديم .
لقد ظل السوريون على مدى الأسابيع والأشهر الماضية يترقبون بعيون ملؤها الأمل تشكيل حكومة وطنية شاملة، تنبض بروح الديمقراطية التشاركية وتعكس تعدد هوية هذا الشعب الذي طالما عانى من التجاوزات والتهميش. إلا أن ما تم الإعلان عنه في دمشق جاء مخيبا للآمال؛ مماثلاً لما سبق؛ حكومة تبدو في جوهرها زينة سياسية منتهجة للمركزية المطلقة، حيث تظل السلطة مُحاصرة بيد فئة واحدة لا تهتم سوى بإحكام قبضتها على مقصورات السلطة.
المقاطعة السياسية وتجاهل التنوع
أوضح البيان الذي أصدرته الإدارة الذاتية: “لم تأخذ الحكومة التنوع السوري بعين الاعتبار”، مما يعكس بوضوح سياسة الإقصاء التي لا تترك مجالاً إلا لتلك التي تُشبه سابقاتها، في حين يتم تجاهل الأصوات المختلفة التي تمثل التعددية في المجتمع السوري. فسياسات السلطة المركزية لا تبني إلا جسورًا من الانقسام، وتترك خلفها آثاراً سلبية على بنية الدولة وروح الشعب الذي ينادي بالمشاركة العادلة وتوزيع السلطة.
خطر العودة إلى ممارسات الماضي
إن استمرار مثل هذه السياسات لا يمثل مجرد استمرار لخطاب قديم، بل هو خطوة نحو إعادة البلاد إلى المربع الأول، حيث يكون الحكم مركزياً والعملية السياسية خالية من التمثيل الحقيقي لكل مكونات الشعب. فتلك الاستمرارية تُعيد فتح جراح الماضي وتعمّق الانقسامات، مما يزيد من خطورة الأزمات التي تعاني منها البلاد. ومع إصرار قوى السياسة على إبقاء السلطة في مقصوراتها، تتزايد المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى تفاقم التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، في وقت يحتاج فيه الشعب السوري إلى حلول شاملة وجذرية. ومن ثم فهذه دعوة للمسار الديمقراطي التشاركي حتى لا يتهدد الجميع بخطر العودة إلى ممارسات الماضي.
في هذا السياق، تأتي مطالب الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا كصرخة من قلب مجتمع طالما نُفي عن تقرير مصيره. إنها دعوة واضحة لوقف سياسات الإقصاء والتهميش، والاتجاه نحو احتضان جميع أبناء الوطن بمختلف مكوناته، أديانهم وطوائفهم. إنها دعوة لإعادة النظر في أسس الحكم، لتصبح سوريا دولة ديمقراطية تشاركية لا مركزية تضمن حقوق المواطنين وتحقق لهم مشاركة عادلة في صياغة مستقبلهم.
الأمرـ إذن ـ لا يحتمل المماطلة
يبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع سوريا الخروج من دائرة التكرار السياسي الذي يقودها إلى هاوية المزيد من الانقسامات والأزمات؟ وهل ستشهد الأيام القادمة تحولاً حقيقياً في المشهد السياسي يسمح بتوزيع السلطة وتطبيق مبادئ العدالة والمساواة؟ الوقت وحده كفيل بالإجابة، ولكن ما يبدو جلياً هو أن الطريق الذي يسلكه النظام الحالي لا يبشر بثمار الإصلاح السياسي الحقيقي، بل يعيد إلى الواجهة ملامح الماضي المظلم الذي نعتزم جميعاً تركه وراءنا.
بأسلوب نقدي لا يلتف حول الحقيقة، يظل علينا أن ننتظر بقلوب مطمئنة، مع العلم أن التغيير الحقيقي يتطلب إرادة شعبية وإصلاحات جذرية تعكس تعدد الهوية السورية، ولا تقتصر على مجرد إعادة صياغة رمزية للحكومة دون أن تُحدث فرقاً في واقع حياة المواطنين.