د. يونس بهرام
منذ اندلاع الثورة السوريّة في عام 2011، شهدت سوريا تدهوراً متسارعاً في سيادتها الوطنية جراء التدخّلات العسكرية الإقليمية والدولية، ومن أبرزها الوجود التركي الذي بات اليوم جزءاً من المعادلة السياسية والعسكرية في البلاد، حيث يتواجد حوالي 10,000 جندي تركي في الأراضي السوريّة، بالإضافة إلى أكثر من 200 قاعدة عسكرية تنتشر في عدة مناطق من الجغرافيا السورية، ولكن هل يمكن للسوريين استعادة سيادتهم على بلادهم في ظل هذا الواقع؟ وهل تقتصر الحلول على طاولة المفاوضات أم أن الأمور قد تأخذ منحى آخر من الصراع السياسي والعسكري؟
الوجود التركي في سوريا: بداية التدخّل وطموحات “النيو عثماني”
تتوالى التصريحات التركية التي تشير إلى طموحات أنقرة في “استعادة” نفوذها في سوريا ضمن سياق “إرث الإمبراطورية العثمانية”، وهذا الطموح يعكس رؤية تركيا لمستقبل المنطقة، فبعد فشل التدخّلات العسكرية التركية في كل من مصر وتونس وليبيا، تحاول أنقرة الآن تثبيت أقدامها في سوريا، مستفيدةً من حالة التشتت الداخلي في البلاد وضعف القيادة المركزية في دمشق. تعتبر تركيا، من خلال دعمها لجماعات مثل “هيئة تحرير الشام” بقيادة أبو محمد الجولاني، أن لها الحق في التدخّل في شؤون سوريا، سواء كان ذلك في الشمال السوري أو في المناطق التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
الاستراتيجية التركية ودورها في تعزيز الوجود العسكري
تسعى تركيا إلى تعزيز وجودها العسكري في سوريا تحت مسمى محاربة الإرهاب وتأمين حدودها الجنوبية. ومع ذلك، تحاول أنقرة استغلال الفراغ الأمني والسياسي في سوريا لتنفيذ مشروعها “النيو عثماني” الذي يهدف إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، ولعل الهدف الرئيس هو بناء قاعدة عسكرية دائمة في شمال سوريا، وهو ما يتطلب تعزيز العلاقات مع المجموعات المسلحة المدعومة من تركيا مثل “الجيش الوطني السوري” و”هيئة تحرير الشام”. بينما تسعى تركيا إلى تقوية هذا الوجود، فإنها تضع نُصب عينيها إضعاف الإدارة الذاتية في الشمال السوري والتي يقودها الكرد تحت مظلة قوات “قسد”.
الخلافات مع دمشق والتحديات التي تواجهها “الإدارة الذاتية”
فيما يتعلق بالإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، تعيش هذه المنطقة تحت تهديد مستمر من القوى الإقليمية مثل تركيا، والتي تدعم مجموعات معارضة لمحاولة تفكيك هذه الإدارة، وقد شهدنا محاولات عدة من قبل الجولاني للتعاون مع قوات “قسد” تزامناً مع فشل العقود التي تم توقيعها مع قسد، حيث كانت الضغوط التركيّة حاسمة في تحطيم هذه الاتفاقيات.
لا شك إن الجولاني يسعى إلى بناء قاعدة شعبية تمهد له للعب دور سياسي مستقبلي في سوريا، لكنه في الوقت ذاته تحت النفوذ التركي الذي يعمل على تعزيز سيطرته على مناطق الشمال السوري، هذا الواقع يترك الكرد في مواجهة تحدي الحفاظ على سيادتهم واستقلالهم السياسي أمام الهجمات العسكرية التركية والتعاون بين المجموعات المرتزقة المدعومة من أنقرة.
التعاون مع الأطراف الأخرى كحلٍّ مستقبلي
الآمال المعلقة على المجتمع الدولي في دعم الشعب السوري في استعادة سيادته تبقى ضبابية، بسبب تداخل المصالح الدولية والإقليمية. من المصلحة الاستراتيجية للكرد، وفقاً للتحليل السياسي، أن ينسقوا مع القوى السوريّة الأخرى، بما في ذلك القوى الموجودة في الجنوب السوري والساحل السوري، من أجل بناء حاضنة سياسية وعسكرية تكون قادرة على مقاومة التوسع التركي، هذه السياسة قد تشكل بوابة لتأسيس جبهة واسعة قادرة على تعزيز السيادة السوريّة في المستقبل.
يواجه السوريون تحديات كبيرة في استعادة سيادتهم على أرضهم، فوجود القوات التركية والمجموعات المرتزقة المدعومة منها في شمال سوريا يظل عقبة رئيسية. من أجل الوصول إلى حلٍّ مستدام، لابد من تحرك داخلي يضم جميع مكونات المجتمع السوري بما في ذلك الكرد، وتوسيع دائرة التنسيق مع القوى الوطنية الأخرى في البلاد، ولكن في الوقت ذاته، فإن المراهنة على المواقف الدولية قد لا تكون الحل الأمثل، إذ أن اللعبة السياسية في المنطقة معقدة جداً وتخضع لتوازنات إقليمية ودولية يصعب التنبؤ بنتائجها.
أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق الاستقرار والسيادة في مناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا هو الاحتفاظ بالمقدرات الاقتصادية والعسكرية وعدم التفريط بها، ففي ظل الوضع الراهن، تواجه سوريا تحديات اقتصادية وعسكرية كبيرة، بما في ذلك العقوبات الغربية والحصار المفروض على بعض القطاعات، ولكن ما زالت هناك إمكانيات لتطوير تلك المقدرات.
والحال هذه على الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أن تسعى إلى تحسين قدراتها العسكرية في مواجهة التدخّلات الأجنبية، وأن تعمل على تعزيز دفاعاتها في مختلف الجبهات.
في الوقت نفسه، ينبغي عليها أن تحافظ على استقلاليتها الاقتصادية من خلال تنمية مواردها الطبيعية والتوجه نحو الاستفادة من العلاقات الاقتصادية مع الدول التي تسعى إلى التخفيف من التوترات في المنطقة، كما أن تعزيز الأمن الداخلي والاستقرار في المناطق السوريّة الجنوبية والساحلية منها سيُسهم في تعزيز وضمان استمرارية هذه المقدرات الاقتصادية.
تبقى التحديات أمام سوريا كبيرة، وخاصةً فيما يتعلق بموضوع السيادة الوطنية أمام التدخّلات الخارجية. لكن، من خلال الاستفادة من الحراك الشعبي في تركيا، وتحليل الملامح الجديدة للمخطط الإقليمي في الشرق الأوسط، والعمل على الاحتفاظ بالمُقدرات الاقتصادية والعسكرية، يمكن لسوريا أن تخلق فرصاً لتحقيق الاستقرار الداخلي والتفاوض على مستقبلها بعيداً عن التدخّلات الأجنبية
الاحتفاظ بالمُقدّرات الاقتصادية والعسكرية
لا بد من أن يكون الهدف الاستراتيجي في المستقبل هو تكوين تحالفات داخلية وإقليمية تؤكد على ضرورة الحفاظ على سيادة سوريا وحقوق شعبها. من خلال هذا المسار، يمكن أن تستعيد سوريا بعض من قوتها السياسية والاقتصادية التي فقدتها في السنوات الماضية، وهذا يتطلب صبراً طويلاً وتنسيقاً دقيقاً بين القوى الوطنية السوريّة والأطراف الإقليمية والدولية في ظل التطورات السياسية والاقتصادية الراهنة في المنطقة، لا بد من التأكيد على أهمية الاستفادة من الحراك الشعبي في تركيا، الذي يعد بمثابة فرصة استراتيجية للتحرك ضد حكومة الرئيس أردوغان، خاصةً مع تنامي الاحتجاجات والمظاهرات داخل تركيا ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تنتهجها الحكومة.
من الواضح أن تركيا تعاني من تحديات كبيرة على الصعيد الداخلي، بدءاً من الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالليرة التركية، إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية، هذه التحركات الشعبية تعكس حالة من الاستياء المتزايد لدى قطاع واسع من الشعب التركي، وهو ما يمكن أن يُترجم إلى فرصة يمكن استثمارها في الضغط على الحكومة التركية لتغيير بعض سياساتها، بما في ذلك تدخّلاتها العسكرية في سوريا.
المخطط الجديد للشرق الأوسط
فيما يتعلق بالمخطط الجديد للشرق الأوسط، من الواضح أن ملامح هذا المخطط بدأت بالظهور بشكلٍ تدريجي، وهو يتضمن تحولات جيوسياسية هامة ستؤثر على مصير العديد من الدول في المنطقة، هذا المخطط يتضمن إعادة ترتيب التحالفات، وتغيير الأولويات السياسية والاقتصادية، وهو ما يفتح المجال أمام الإدارة الذاتية للاستفادة من هذه التحولات في سياق تعزيز سيادتها والحد من التدخّلات الخارجية.
يجب على سياسيي الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا أن يكونوا على دراية بهذه التحولات وأن يستفيدوا من التوترات الإقليمية والدولية لتحقيق مصالحها المصيرية، فمن خلال تعزيز العلاقات مع القوى الكبرى التي تسعى للحد من نفوذ تركيا أو التصدي للمشروع النيو عثماني، يمكن لها أن تضمن مكانتها في المنطقة وتفادي التوسع التركي على أراضيها. كما أن التفاعل مع القوى الدولية الفاعلة في الشرق الأوسط قد يُساهم في تقليص التدخّلات العسكرية التركية وتعزيز سيادتهم