الحسكة/ محمد حمود – تتواصل أزمة المياه الخانقة في مدينة الحسكة نتيجة ممارسات دولة الاحتلال التركي اللاإنسانية؛ فيما لا يسد مشروع جر مياه الفرات رمق أبناء المدينة؛ فيما يتم استجرار مياه المناهل عبر الصهاريج.
تشكّل المياه أحد أهم الموارد الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في المناطق التي تعاني من شحّ الأمطار واعتمادها الكبير على الأنهار الرئيسية مثل نهر الفرات ودجلة.
في هذا الإطار، تُعتبر مدينة الحسكة في مقاطعة الجزيرة بإقليم شمال وشرق سوريا من أكثر المناطق تأثراً بأزمة المياه، حيث تُواجه تحديات كبيرة نتيجة التعديات التركيّة على مصادر المياه، بالإضافة إلى المشاريع المحلية لجر المياه لسدّ الاحتياجات الأساسية للسكان.
تعديات تركيا المائية.. قطع مياه الفرات وتجفيف الخابور
تُعدُّ تركيا دولة المنبع بالنسبة لنهر الفرات، الذي يُشكّل شريان الحياة لملايين السوريين في الرقة ودير الزور والحسكة. ومع ذلك، قامت دولة الاحتلال التركي في السنوات الأخيرة بتقليل حصة سوريا من مياه النهر بشكلٍ كبير، مما أدى إلى انخفاض منسوب المياه وتردي الوضع المائي في المنطقة، ناهيك عن التجفيف المتعمد لمياه نهر الخابور وعلى مدار سنوات.
وقد تفاقمت الأزمة مع قطع دولة الاحتلال التركي لمياه محطة “علوك” التي تُزوّد الحسكة بالمياه، مما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من السكان من المياه الصالحة للشرب والري. يُذكر أن محطة علوك كانت تُزوّد نحو مليون شخص في الحسكة وريفها بالمياه، ولكن مع قطعها المتكرر، أصبحت الأزمة الإنسانية تتفاقم، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها سوريا.
تداعيات التعديات على الزراعة والاقتصاد
تُعتبر الزراعة العمود الفقري لاقتصاد الحسكة والجزيرة عموماً، حيث تعتمد بشكلٍ كبير على مياه نهر الخابور. ومع انخفاض منسوب المياه، تأثرت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار المحاصيل. كما تأثرت الثروة الحيوانية بسبب نقص المياه، مما زاد من معاناة المزارعين الذين يعتمدون على الزراعة والرعي كمصدرٍ رئيسي للدخل.
مشروع جرِّ مياه الفرات إلى الحسكة.. حلٌّ مؤقت لأزمةٍ مستمرة
في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة، قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية بتنفيذ مشروع لجر مياه نهر الفرات إلى المدينة، وذلك لتأمين المياه الصالحة للشرب للسكان، حيث يُعتبر هذا المشروع خطوة إيجابية في ظل الظروف الصعبة، إلا أنه يبقى حلًّا مؤقتاً لا يُعالج الأزمة من جذورها.
ومع ذلك، يواجه المشروع تحديات تقنية ومالية، حيث يتطلب استمراره توفير الوقود والطاقة لتشغيل المضخات، بالإضافة إلى صيانة الشبكات المائية التي تعاني من الإهمال بسبب سنوات الحرب. كما أن الاعتماد على مشروع جر المياه لا يُغني عن ضرورة الضغط على دولة الاحتلال التركي لوقف تعدياتها المائية وضمان تدفق حصة سوريا العادلة من المياه وتحييد محطة “علوك”.
من عراقيل المشروع انقطاع الكهرباء والتعديات المستمرة
في السياق؛ أوضح مدير محطة تصفية مياه العزيزية في مدينة الحسكة والمهندس “محمود الكنهوش”؛ إن مشروع جر مياه الفرات نحو الحسكة لازال يعاني من العديد من الصعوبات؛ وأبرزها التعديات على خطوط النقل بين نهر الفرات في مقاطعة دير الزور وصولاً إلى مدينة الحسكة في مقاطعة الجزيرة.
كما نوه الكنهوش إلى إشكالية الانقطاع المتكرر لخطوط الكهرباء المغذية لمحطات الرفع والضخ في ريف دير الزور الشمالي؛ مشيراً إلى أن هذه الانقطاعات ازدادت بعد سقوط نظام البعث في سوريا؛ كون هذه المحطات يتم تغذيتها بالكهرباء من محطة “جندر” الحرارية في ريف حمص.
وأشار إلى أن الانقطاع الأطول كان منذ شهر تشرين الثاني من العام الماضي 2024؛ حيث بلغ عدد مرات ورود المياه أربع مرات فقط وبواقع ساعتين بالحد الأعلى؛ الأمر الذي أدى إلى توقف الضخ لأحياء المدينة، مضيفاً أن آخر ضخ كان 19 كانون الثاني خلال العام الحالي 2025؛ لأحياء “العزيزية والطلائع وخشمان”. وأضاف الكنهوش إن المشروع في بدايته كان مستمراً حتى ظهور مشكلة الأشنيات التي سدت المجاري والتي جرى العمل على تنظيفها؛ الأمر الذي استغرق وقتاً طويلاً نتيجة طول الخط الرئيسي الذي يبلغ 160 كم.
الحلول البديلة.. استجرار من المناهل عبر الصهاريج
الكنهوش تطرّق إلى الحلول البديلة التي تقوم بها دائرة المياه لإيصال المياه إلى أحياء المدينة؛ وأبرزها نقل المياه عبر الصهاريج من منهل “شموكة” بريف المدينة وذلك لتغطية الكومينات والمجالس المنتشرة في الأحياء، إضافةً إلى المؤسسات الخدمية والأفران والمستشفيات.
وأكد الكنهوش؛ أنه بعد قطع دولة الاحتلال التركي لمحطة مياه علوك كان الحل الوحيد أمامهم هو المناهل المنتشرة في أرياف المدينة لسد حاجة الأهالي من مياه الشرب؛ وأنهم يعملون على توسيع مشروع “نفاشة” لضخ المياه ليوضع في الخدمة قريباً.
واختتم مدير محطة تصفية مياه العزيزية والمهندس “محمود الكنهوش”؛ حديثه إلى أنهم قاموا في الفترة الأخيرة بإعادة تشغيل محطات التحلية في “المربع الأمني سابقاً” حيث تم تفعيل تسع محطات من أصل 15 محطة؛ كما يجري إعادة صيانة للمحطات الأخرى، كما يجري نقل محطات لأماكن أخرى بعد جفاف الآبار التي تعمل عليها.
الآفاق المستقبلية والحلول الممكنة
تُشكّل أزمة المياه في الحسكة نموذجاً صارخاً للتحديات البيئية والسياسية التي تواجهها سوريا في ظل الصراعات الإقليمية، ولحلّ هذه الأزمة، لا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة على المستويين المحلي والدولي. على الصعيد المحلي، يجب تعزيز مشاريع إدارة المياه وترشيد الاستهلاك، بالإضافة إلى تطوير البنية التحتية المائية. أما على الصعيد الدولي، فإن الضغط على دولة الاحتلال التركي لاحترام الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحصص المياه يُعتبر أمراً ضرورياً، كما أن تدخّل المنظمات الدولية لتأمين المياه للسكان المدنيين يُشكّل خطوة إنسانية مهمة في ظل الظروف الراهنة.




