نيرودا كرد
شهدت سوريا الثامن من كانون الأول الجاري تحولا طال انتظاره خلال عقد ونصف الماضي، وتمثل هذا التحول بالإطاحة بنظام بشار الأسد والبعث، وذلك على إثر الهجمات التي شنتها هيئة تحرير الشام على المدن السورية والسيطرة عليها، وبدعم من المحتل التركي ومرتزقته، وبدأ الهجوم من حلب وانتهت بسقوط النظام في دمشق.
السوريون دفعوا دماءهم فاتورة سياسة النظام
قطع السوريين درب آلام طويل خلال 14 عاماً الماضية، دفعوا خلالها فواتير من الدم والعذاب والتهجير والدمار، بسبب سياسات النظام التي كانت تقوم على الإقصاء، لذا واجه النظام مطالب شعبه بالبراميل المتفجرة، التي انهالت على المدن والقرى السورية بدون استثناء، ما أدى إلى تحويل سوريا إلى ركام فوق رؤوس شعبها. ولعل الدمار الذي حاق بسوريا هو جزء فقط من اللوحة التي رسمتها سياسات النظام السابق، حيث أدت هذه السياسات إلى ضغوطات اقتصادية واجتماعية ونفسية، وصولا إلى فتح الأبواب المشرعة أمام احتلالات متعددة للأراضي السورية، أبرزها الاحتلال التركي لجزء كبير من الأراضي السورية، ما أدى إلى تهجير الملايين.
وقد جاء كل ذلك نتيجة لتعنت النظام السابق، ورفضه القيام بأي خطوات عملية من شأنها الدفع نحو حل حقيقي للأزمة السورية، وقد تمثل ذلك في جزئيتين رئيسيتين لا يمكن التغافل عنهما، الأول تعطيل النظام لتطبيق القرار الأممي 2254، الذي ينص على إخراج سوريا مما هي عليه، أما الثاني رفض النظام السابق لإجراء أي حوار مع الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، والتي لطالما سعت لمثل هذا الحوار للعمل على حل الملفات العالقة.
لا شك أن إسقاط النظام قد شكل جزءا مهما في عملية حل الأزمة السورية، لكن ينتظر السوريون مهمة التوافق والعمل من أجل تربيب الأوراق لإنهاء الأزمة السورية، لبقاء القوات الأجنبية على الأرض السورية، وفي مقدمتهم دولة الاحتلال التركي، خاصة وإن الوقت قد حان اليوم لإفساح المجال أمام السوريين ليحددوا مصيرهم بأنفسهم، كما نص القرار الأممي 2254، والذي يسعى السوريون إلى تطبيقه.
لا يخفى على أحد الدور السلبي الذي لعبته دولة الاحتلال التركي خلال سنوات الأزمة السورية، بدءاً من تجنيد المرتزقة وتدريبهم وفتح الحدود أمامهم، مرورا بالهجمات الجوية المتكررة على الأراضي السورية، وصولا إلى احتلال الأراضي السورية، ذلك الاحتلال مستمر حتى يومنا هذا.
الأطماع التركية عقدت إيجاد الحول للأزمة
هذا الدور التركي السلبي كان على طول خط الأزمة السورية عاملا رئيسيا في منع حل الأزمة السورية، وذلك بسبب الأطماع المتعددة والمعروفة لدولة الاحتلال التركي في سوريا، لذلك؛ فإن استكمال عملية التحرير التي بدأها السوريون لا يمكن أن تُستكمل دون العمل على إنهاء الاحتلال التركي للأراضي السورية، لا سيما وإن هذا المشروع لا يزال يستكمل حتى يومنا هذا، من خلال الهجمات، التي تشنها دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على الشهباء وتل رفعت ومنبج وكوباني، والتي تثبت أن دولة الاحتلال التركي تسعى لقطع المزيد من الأراضي السورية، سعيا وراء تحقيق أطماعها التاريخية في العودة إلى حدود السلطنة العثمانية البائدة، وهذا ما تثبته الوقائع على الأرض، وكذلك تصريحات ساسة دولة الاحتلال التركي حول ضم حلب وأريافها إلى حدود الجمهورية التركية.
على الرغم من الفرحة العارمة التي انتابت السوريين بإسقاط النظام الاستبدادي، الذي جثم على صدورهم لأكثر من نصف قرن، إلا أن هذه الفرحة تترافق مع شيء من الخشية والتخوف من المستقبل، خاصة وإن بعض الممارسات التي تمارسها السلطات الجديدة تُنذر بتكرار تجارب حقبة الأسد، حيث اللون الواحد والعلم الواحد، أي تكرار سياسة الحزب القائد التي اتبعها النظام السابق، والتي أدت بسوريا إلى ما هي عليه اليوم.
لقد انتفض السوريون عام 2011، سعيا لاسترداد الإرادة والقرار الذي سلبهم نظام البعث الحاكم، لذلك فهم يتعطشون إلى سوريا جديدة متجددة تكون فيها كلمة الفصل للشعب السوري نفسه، بعيدا عن استئثار أي طرف بالسلطة، ومحاولة فرض هيمنته المستمدة من السلاح الذي يحمله في يده.
لذلك، فإن الأزمة السورية لم تنتهِ مع انتهاء حقبة الأسد والبعث، والشعب السوري ينتظره تحديات كثيرة، وتتمثل المهمة الأساسية في الرجوع إلى قرار مجلس الأمن ٢٢٥٤، والذي ينص على حق الشعب السوري بمكوناته بتقرير مصيره، لذلك، فإن محاولات أي من الأطراف الاستئثار بالقرار السوري يعني أننا أمام مرحلة جديدة للأزمة السورية، وأن إسقاط النظام في سوريا لم يأتِ بجديد.
في ظل الحرب الطاحنة التي شهدتها سوريا، برز مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، كنموذج ديمقراطي عصري، يمكن الانطلاق منه نحو سوريا الجديدة، كما أن شعوب إقليم شمال وشرق سوريا، أثبتت ذاتها كقوة قائمة لا يمكن تجاوزها في المستقبل السوري القادم.
وعلى هذا الأساس، يتعين على الإدارة الجديدة في دمشق، الانفتاح على الشعوب والمكونات السورية، وبالدرجة الأولى على الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، لما لها من تجربة فريدة على أرض الواقع، تخولها المشاركة في صنع القرار السوري المستقبلي.
ومشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، قد أثبت جدارته خلال أعوام الأزمة السورية بشكل مطلق، فقد تجنب إقليم شمال وشرق سوريا مخاطر الحرب والدمار والتهجير، الذي شهدته المناطق السورية الأخرى. لذلك؛ فإن الحل الأمثل للخروج بسوريا من ليلها المظلم الذي دام طويلاً، يكمن في اعتماد نظام لا مركزي يعتمد الإدارات الذاتية الديمقراطية نظاما إداريا يسمح للشعب السوري بقول كلمته.




