الدرباسية/ نيرودا كرد – في عصر مليء بالتكنولوجيا والانشغالات اليومية، يقف رجل كبير بالسن مصرًا على إحياء فن وثقافة القراءة والبحث عن المعرفة. تتجاوز عيناه البشرية الباهتة، تظهر الحكمة العميقة والشغف في اكتشاف أسرار الكتب التي لا تزول مع مرور العمر. من هو هذا الرجل الذي يجسد الإصرار والتفاني في رحلة العلم والثقافة؟
في لحظة انتقالية بين الحاضر والماضي، حيث نجد محمد عيسى قاسم، وهو رجلٌ كبير السن، جسده المثقل بأعباء الزمان، يتربع في كرسي قديم بجانب نافذة مضاءة من بأشعة الشمس الدافئة. يغوص بروحه الحية في عوالم لامتناهية من خلال صفحات الكتب. يعكس وجهه تجاعيد الزمن، لكن عينيه تشعان ببريق الحياة والحماس عند كل اكتشاف جديد يصادفه في عوالم الحروف والكلمات.
وتعكس قصة العم قاسم وشغفه بقراءة الكتب إصراره وحبه للمعرفة على مر الزمان. يمثل هذا الرجل الحكمة والتفاني في البحث عن العلم والتعلم حتى في سن متقدمة. يمكن تصوير الرجل المسن وهو يقضي وقت فراغه في قراءة الكتب بطريقة تستحسنها النفوس، فقد يجسد هذا العمل شغفه بالمعرفة والاستمتاع بسحر القراءة والتعلم المستمر.
من جهة أخرى، هذه القصة توحي بأهمية الثقافة وتأكيد على أن العمر ليس عائقًا لاكتساب المعرفة والارتقاء بالعقل. قد يكون هذا الرجل المسن مثالًا ملهمًا للآخرين بالاستمرار في السعي نحو العلم والثقافة، وقد يذكرنا بأهمية القراءة في تنوير العقول وتوسيع الأفق.
العمر ليس عائقا
محمد عيسى قاسم من مواليد الدرباسية 1949، رجل يرى في صفحات كتبه ملاذا للابتعاد عن أعباء الدنيا وأثقالها، فهو من خلال هذه الكتب يعيد تنشيط دماغه لينتقل من جديد إلى العالم الموضوعي بذهن منفتح ونظرة متجددة، يحدثنا محمد عيسى قاسم عن تعلقه بقراءة الكتب على الرغم من بلوغه هذا العمر المتقدم، فيقول لصحيفتنا: “في مراحل شبابي كنت أرى نفسي وحيدا على الرغم من كثرة الأشخاص والأصدقاء حولي، وكان الكتاب هو مؤنسي في هذه الوحدة. وعدا عن ذلك، امتلك منذ البداية شغف التعلم بمختلف المجالات، وقد وجدت في الكتب مصادر موثوقة تحمل بين صفحاتها معلومات قيمة ومفيدة، أضف إلى ذلك، عشقي في الغوص بحثا عن المعلومات التي تتحدث عن وطني ولغتي وشعبي، وهذا ما جعلني أتقن لغتي الأم وهي اللغة الكردية، قراءة وكتابة منذ عام 1971 دون أن أتلقى أي تعليم من أي شخص، وهذا ما جعلني أواجه بعض الصعوبات، حتى تمكنت من إتقان لغتي. وقد عدت إلى مخطوطات كل من مير جلادت بدرخان وأوصمان صبري وموسى عنتر، هؤلاء ساعدوني على أن أبدأ بفك شفرات اللغة، وما ساعدني أيضا على تعلمي لغتي، هو قراءتي المستمرة للكتب التي تتناول تاريخ كردستان وجغرافيتها”.
ويضيف العم عيسى قاسم: “لم أجعل معلوماتي حكرا علي، بل أنني عملت على نشرها في الوسط المحيط بي، وأذكر أنني عندما أتيت إلى قرية “واركا بكندال” اشتريت 11قلم رصاص، و11 دفترا للكتابة بالحروف اللاتينية، وأيضا 11ممحاة، وقد جاء ذلك العدد مطابقا لعدد أطفال القرية، فبدأت بتعليمهم اللغة الكردية، ولكن بعض الظروف التي حلت بهم منعتنا من استكمال ما بدأناه، لكنهم لا زالوا نادمين لأنهم لم يستكملوا ذلك التعلم، خاصة بعد تأسيس الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا. ولكن ما نجحت في إنجازه، هو توريث شغف القراءة إلى أولادي، فجعلتهم جميعا يعشقون القراءة مثلي”.
المرض أدى لبعض التراجع
يلفت محمد عيسى قاسم إلى أنه كان مواظبا على قراءة الكتب بحيوية ونشاط، “ولكن منذ قرابة أربع سنوات، أُصبت بمرض الكورونا، أدى هذا المرض إلى بعض المضاعفات الصحية لدي، وقد أدى ذلك إلى تراجع ممارستي للقراءة، إلا أنني لا أزال مواظبا عليها بالشغف الذي كنت قد بدأت به. ولا أزال متمسكا بتلك العادة التي حملتها معي، وهي قراءة الصفحة الأولى والأخيرة من الكتاب قبل أن أتعمق أكثر في مضمونه. إضافة إلى أنني لم أفضل نوعاً على آخر من الكتب، حيث أنني أقرأ كتب اللغة والسياسة والفلسفة والتاريخ والجغرافية”.
في ختام حديثه، شبه محمد عيسى قاسم قراءة الكتب بكأس الماء البارد الذي يروي ظمأ العطشان في قيظ صيف حارق، حيث يرفع الكتاب المفتوح أمامه، وكأنه مرفوع عن الزمان والمكان، متغلغلاً في عوالم الأفكار والخيالات. ويستمد القوة والإلهام من كل كلمة يقرؤها، ويأسره سحر القراءة الذي لا ينضب.




