قامشلو/ آرين زاغروس ـ اضطهاد المرأة جزء لا يتجزأ من السياسة العراقية، فقد سنت العديد من القوانين التي تنتهك حقوق المرأة والأطفال. وإن العنف المبني على النوع الاجتماعي، هو أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً وأقلها وضوحاً في العالم، ليتحول هذا العنف المطبق على النساء إلى آفة تنتشر في المجتمع.
يمثل العنف ضد النساء واحداً من أهم التحديات التي تواجه الجهود الرامية، لتحسين واقع المرأة وتمكينها في العراق؛ لغياب الوعي والفهم المعمق للعوامل والأسباب الجذرية عند النساء وصناع القرار، وواضعي السياسات المناهضة للعنف.
أرقام صادمة للقتل والعنف
وجود العنف الأسري ظاهرة إجرامية متسلسلة بخط بياني تصاعدي يهدد بشكل أو بآخر البناء الاجتماعي السليم للأسرة والمجتمع، وفي أرقام “مرعبة”، كشفت وزارة الداخلية العراقية، في حزيران 2024، تسجيل قرابة 14 ألف دعوى عنف أسري خلال خمسة أشهر في عموم مناطق ومدن البلاد، منها 73% تخص النساء، وسجلت المحاكم العراقية في عام 2022 نحو 21،600 شكوى عنف، 80% منها تتعلق بالنساء.
وحسب مجلس القضاء الأعلى، فإن العراق سجل (18436) دعوى عنف أسري خلال 2023، حيث سجلت محكمة استئناف بغداد الكرخ ورود (3221) دعوى، تلتها استئناف النجف بـ(2442) دعوى، وبعدها كربلاء بـ(2798) دعوى عنف أسري وتباعا لبقية الاستئنافات في المحافظات. وتشير إحصائية العنف الأسري، أن هذه الدعاوى شملت دعاوى العنف الأسري للرجال والنساء وكذلك الأطفال.
ووفقاً لإحصائية أعلنها مجلس القضاء الأعلى في العراق، شهد عام 2022 تسجيل 21 ألفا و595 قضية عنف أسري في محافظات العراق (باستثناء إقليم كردستان)، وارتُكبت ضد الأطفال والنساء وكبار السن 22 ألفا، و365 حالة عنف أسري سُجلت في محافظات العراق (باستثناء إقليم كردستان) لعام 2021، بينها ألف و141 حالة عنف ضد الأطفال، 18 ألفا و602 حالة ضد النساء وألفان و622 حالة ضد كبار السن.
ودعت منظمة العفو الدولية إلى إلغاء “عمليات المصالحة الإلزامية” بين النساء المعتدى عليهن والمعتدين، كما أكدت على أن ثقافة المجتمع الأبوي والذكوري في العراق تعرقل تقدم ملف حقوق المرأة، مشيرةً إلى ظواهر مثل الزواج المبكر والإكراه الاقتصادي.
وحسب أرقام استشهدت بها منظمة العفو الدولية، شهدت كردستان 44 حالة قتل للنساء في عام 2022 و30 حالة في عام 2023، وعلى الرغم من التقدم التشريعي، حيث تم اعتماد قانون يجرم العنف المنزلي في عام 2011، إلا أن هناك ثغرات كبيرة في تطبيق القانون، مثل اعتبار أعمال العنف الأسري جنحاً لا تؤدي إلا إلى عقوبات مخففة.
في إحصائية شهرية عن حالات الزواج والطلاق في العراق؛ نشرها مجلس القضاء الأعلى، بلغ عدد الزيجات الجديدة في شهر آذار فقط 24088 حالة زواج، فيما بلغ عدد حالات الطلاق 6222 حالة، وهو ما يعني حصول 207 حالة طلاق يومياً في المحاكم العراقية، وبالتالي أكثر من ثماني حالات في الساعة الواحدة، حيث تصدرت العاصمة بغداد القائمة بحالات الزواج والطلاق.
كما بينت وزارة الصحة العراقية أنه منذ بداية العام الحالي 2024، تم تسجيل 291 حالة انتحار في العراق، بالإضافة الى إحباط العشرات من حالات الانتحار، كما وتتنوع أسباب الانتحار معظمها مشاكل عاطفية واقتصادية وغيرها من المشاكل في المجتمع، والعديد من الحالات التي لم يتبين سببها وتكون جريمة قتل تدرج تحت اسم الانتحار.
قوانين تُنزع حرية المرأة
إن قانون مناهضة العنف الأسري لعام 2011 في باشور كردستان العراق يعطي الأولوية لحماية وحدة الأسرة على تحقيق العدالة وحماية الناجيات، وينص على عقوبات على الجناة لا تتوافق مع خطورة الجرائم المرتكبة. وأبرز دليل على ذلك، هو أن القانون ينص على إجراء عملية مصالحة بين الناجية والمعتدي عليها قبل أن يقرر القاضي ما إذا كان سيحيل القضية إلى المحاكمة. وتتعارض عمليات المصالحة الإلزامية هذه مع النهج الذي يتمحور حول الناجيات في التعامل مع العنف الأسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي.
فبموجب القانون، تكون أعمال العنف الأسري (بما فيها الأذى الجسدي والاغتصاب الزوجي) جنحاً، وبالتالي لا يمكن أن تؤدي إلا إلى عقوبة أقصاها السجن لمدة ثلاث سنوات. في حين أن القانون يمنح القضاة حرية التصرف في استخدام العقوبات الأشد قسوة المنصوص عليها في قانون العقوبات، وجدت منظمة العفو الدولية أن غياب توجيهات واضحة في سياق قوالب النوع الاجتماعي النمطية المترسخة، يعني أن القضاة نادراً ما يفرضون عقوبات تتوافق مع خطورة الجريمة المرتكبة.
ويتم تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي يعمل به منذ عام 1959 بعد سقوط النظام الملكي، ويمنح التعديل العراقيين عند إبرام عقود زواج الحقّ في الاختيار في تنظيم شؤون أسرهم بين أحكام المذهب الشيعي أو السني أو تلك التي ينصّ عليها قانون الأحوال الشخصية النافذ والمعمول به منذ عقود.
وهذا ما يوفّر مساحة واسعة لهيمنة الرجال على قضايا الأسرة في مجتمع لا يزال محافظاً إلى حدّ كبير، ما يثير الخشية من سحب حقوق وفّرها القانون الحالي للمرأة من ناحية الحضانة وحق السكن، كما يجعل التعديل الجديد اغتصاب الأطفال قانونياً ومبرراً في المحاكم، وهو ما سيدمر المجتمع وسيتسبب بارتفاع معدلات القتل والانتحار للنساء في باشور كردستان، فإن تعديل قانون الأحوال الشخصية سيؤدي إلى إبادة جماعية ضد المرأة في إقليم كردستان والعراق، وحرمان لجميع حقوقها.
ويشكل زواج القاصرات ظاهرة شائعة في المجتمع العراقي. تقدر اليونيسف أن حوالي ربع الفتيات يتزوجن قبل سن الثامنة عشرة (بما في ذلك 5% من الفتيات المتزوجات في سن الخامسة عشرة). كما أشارت تقارير منظمات المجتمع المدني أن 80% من هذا الزواج يتم خارج المحكمة. حيث منحت المادة الثامنة من قانون الأحوال الشخصية رقم ١٨٨ لسنة ١٩٥٩ النافذ، استثناء من شروط الأهلية لزواج القاصر سواء الفتى أو الفتاة، ممن أكملوا 15 سنة من العمر وبموافقة الولي الشرعي، وبإذن القاضي. كما منح القاضي الإذن بزواج من بلغ الخامسة عشرة من العمر إذا وجد ضرورة قصوى تدعو إلى ذلك، ولم يشترط القابلية العقلية والنضج العقلي، مما يجعل زواج الصغير ممكن حسب اجتهادات القاضي واجتهادات المذهب الذي ينتمي له.
قبور بلا شواهد
بالرغم الانخفاض النسبي هذا العام في معدلات العنف والجريمة بحق المرأة في إقليم كردستان بحسب إحصاءات المديرية العامة لمناهضة العنف ضد المرأة، فإن الصورة في عمومها لا تزال قاتمة.
وتقع آلاف النسوة والفتيات سنوياً ضحية التعنيف والإهانة وسوء المعاملة، والمئات منهن يذهبن ضحايا القتل والتشويه تحت ذرائع “غسل العار وحماية الشرف”، ففي أكبر مقبرة في السليمانية، ثاني أكبر مدينة في باشور كردستان، ركن خاص بهن بشواهد لا تحمل أسماء ولا تفاصيل عن النساء المدفونات، فيما تحمل أخرى أرقاماً أو كلمة “حياة”، دون ذكر اسم الضحية، وأطلق على هذه المقبرة “مقابر نساء مجهولات الهوية”، حيث يُدفنَّ دون اسم ولا عنوان ولا أي معلومة على قبورهن، ويُدفنَّ دون حضور أقاربهن ودون مراسم التعازي، وأن معظم النساء اللواتي قُتلن بتهمة أخلاقية يُدفنَّ ليلاً بسبب خطر أن يأتي أقاربهن ويهدموا القبر.
ولا توجد أعداد دقيقة لهؤلاء النساء، لكن يقول حفّار القبور عثمان صالح (55 عاما) لوكالة “فرانس برس” إنه على مدى 15 عاماً، تمّ دفن “مائتَي” امرأة وفتاة بلا أسماء تراوحت أعمارهن بين 13 و50 عاماً.
وترى الأمم المتحدة، إن أكثر من مليون امرأة وفتاة في كلّ أنحاء العراق الذي يضمّ 43 مليون نسمة، معرّضات للعنف القائم على النوع الاجتماعي والذي يتفاقم في فترات النزاعات.
فيما يعاني إقليم كردستان الذي يحرص على إبراز صورة من الاستقرار النسبي فيه، والتسامح في بلد مزقته الصراعات على مدى أكثر من 40 عاماً، كذلك من قتل النساء والجرائم على أساس النوع الاجتماعي، ويُبلّغ سنوياً عن عشرات جرائم قتل النساء في الإقليم.
ومع مرور الوقت، بدأت الرموز على الشواهد تبهت وتنمو من حولها الأعشاب، ما يُصعّب مهمة التعرّف على القبور، وتشير الباحثة لدى منظمة العفو الدولية “رازاو صالحي” إلى أن “جرائم قتل وتشويه النساء والفتيات على أيدي أقاربهن الذكور في معظم الحالات، تحدث بمعدّل ينذر بالخطر”.




