No Result
View All Result
قراءة فنية لقصيدة “ما وراء الغمام” لفيروز مخول
د. آمال بو حرب (باحثة وناقدة تونسية)
تعدُّ تجربة الغياب والفقد من أهم الموضوعات التي يتناولها الأدب والشعر، حيث تعكس مشاعر العزلة والأسى اللذين يختبرها الإنسان في غياب محبوب، أو فقد عزيز يقول الكاتب الروسي أنطون تشيخوف: “إن الغياب هو نوع من القتل؛ لأنه يمحو كل ما هو جميل وذو معنى في الحياة.” إن هذه الكلمات تجسد عمق التأثير الذي يتركه الغياب على النفس البشرية، إذ يخطو الشخص في رحلة من الألم والتشتت، بحثًا عن الأمل والسكينة في خضم الفقد. في هذا السياق، تلقي الأديبة فيروز مخول الضوء على هذه التجربة الإنسانية، مستعرضة الصراعات الداخلية التي ترافق غياب الأحبة في قصيدتها “ما وراء الغمام”. تقول الشاعرة:
ما وراء الغمام
“كلما حدقت في صفحةِ الأفق
اقرأُ ما وراءَ الغمامِ
بعينٍ محزونةٍ مشرقة
أعلمُ أنَّ الحزنَ والحبورَ
لا يجتمعان!!
ولكنّ شمعةَ الأملِ
لم تنطفئ في ربيعي
رغم أناتِ السنينِ الطوال
مازلتُ أراكَ ……
على رغم نأيكَ القارسِ
أصدقُ أنَّ اليمامات
تخبرني بجديدٍ
لا أعرفهُ عنك
جديدٍ مشعشعٍ بالإشراقِ
ومرفرفٍ بالسرور.
تشبهني كثيراً ……
ذلكَ السرُ الدفينُ
السرُ الذي ما فتئ
يجمع بين قلبينا أبداً.
الورقُ لا يضيعُ رائحةَ الحبِ
ها أنا أبحثُ عن ريشةٍ
ترسمُ مظهركَ الأنيق
الذي أحب
أنتَ والبحرُ
وأنينُ القلبِ الهادر
ليتنا نستطيعُ اختزالَ
آلام الطريق
الهروب من أكفان القهر
وأنفاسِ الرحيل
أصابعُ صبري فارغةٌ
من كل الأفكارِ المعلبة
لا شيء إلا ملامحكَ العميقة
في ذاكرتي
لكنّ لعنةَ المسافةِ
تقتلُ الوعودَ البيضاء
كما في كلّ مرة
هكذا تغيبُ طويلاً
ولكنني أعودُ إليكَ
أشبهكَ كثيراً هذه المرة
وجهكَ المخضبُ بأريجِ الفصولِ
بعيداً عن الثرثرةِ
ودهشةِ المرايا
يدنيني إليك
أضيعُ
في خطوطِ يديك
التي تؤرشفُ تواريخَ الألم
مثل أرضٍ عطشى
غارقةً في بحيرة الوجع؟!!!
فأناجيك
من بين أضلاعي
من جنينة الأحلام
التي لا تنقطع
يا أيها الممتدُ
في عمقِ الكروم
صبراً جميلاً يا حبيبي
سيأتي موعدُ القطاف
ويتساقط عليك
رطباً جنياً
عندها
سأدخلُ في غفوةِ روحٍ
تشبهُ السكينة
وستلمعُ في رأسي
كل الأطيافِ القريبة والبعيدة
كيفَ أغادرني
لأعودَ بي من جديد
محملةً بكلِ الحطام
بكلِ الأشلاءِ
مفعمةً في ذاتِ الوقت
بسنابلِ اللقاء
فلا وهمَ في الحب
لا وهم يجبرني
أن أحتسي ألمي
أرتبُ قطعَ جسدي المتناثرة
بين أحداق الوعود
عائدة إلي
من جديد.
قصيدة “ما وراء الغمام” للشاعرة فيروز مخول تجسيد شعري قوي للصراع الداخلي الناتج عن الغياب والفقد، مدعومة بتعبيرات جمالية عميقة تعكس مشاعر الصبر والأمل تنطلق القصيدة من رؤية فلسفية وتجريبية، حيث تربط بين التجربة الإنسانية والخبرة الوجودية.
1ـ البعد الوجودي للغيْاب:
في قصيدة “ما وراء الغمام”، يظهر البعد الوجودي بوضوح من خلال معالجة مسألة الغياب والألم المرتبط بفقدان الحب إذ تعكس الكلمات شعور الاغتراب الذي يصاحب الفراق، حيث يعيش الشاعر في حالة من الشوق الممزوج بالحزن تشير إلى الغياب كقيمة وجودية تؤثر في النفس وفي نظرتها للعالم من حولها. تقول:
“كلما حدقت في صفحةِ الأفق اقرأُ ما وراءَ الغمامِ بعينٍ محزونةٍ مشرقة”.
يظهر هذا الوصف كيف يمكن للغموض أن يغلف الوجود، وكيف تظل العين مشبعة بالأمل رغم الحزن. هنا، يتجلى كيفية تأثير الغياب على النفس الإنسانية وكيف يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل الرؤية الشخصية للعالم.
2ـ الصبر:
تتحول القصيدة إلى استحضار الصبر كقيمة مهمة في السياق العاطفي. تضيف الشاعرة:
“أصابعُ صبري فارغةٌ من كل الأفكارِ المعلبة، لا شيء إلا ملامحكَ العميقة في ذاكرتي”
تظهر هذه المشاعر أبعاد الصبر، فرغم ما يحمله من فراغ، يصبح وسيلة للتواصل مع الذكريات العميقة، تقدم الشاعرة الصبر كمحنة تُختبر فيها الروح، حيث يشكل هذا الإحساس جسرًا يربط بين الماضي والتجارب الحالية وهي بذلك تختلف مع ما ذهب إليه “نيتشه” إذ يرى أن أخلاق الرحمة والإحسان والصبر هي حيلة ابتكرها الضعفاء لكي يضحكوا بها على الأقوياء، ولكي يأخذوا منهم مكاسب ومنافع، فالأخلاق من صنع الفقراء، وقليلي الحيلة. ولكن؛ الشاعرة تعتمد على قوة الإرادة والتحليل المنطقي فتجعل من الصبر فضيلة أخلاقية.
3ـ العلاقة بين الحزن والأمل:
تتداخل مشاعر الحزن والأمل بشكل متقن في القصيدة، عندما تعبر الشاعرة عن التناقض بين الحزن والفرح:
“أعلمُ أنَّ الحزنَ والحبور لا يجتمعان!! ولكنّ شمعةَ الأملِ لم تنطفئ في ربيعي، رغم أناتِ السنينِ الطوال”
هذا التنازع يعكس فكرة وجودية لطالما ناقشها الفلاسفة، حيث إن الإحساس بالأمل يبقى حاضرًا. تعكس هذه الكلمات كيف يمكن للروح أن تحمل الأمل رغم التحديات، مما يمنح القارئ دافعًا للتفاؤل وسط ظروف قاسية.
4ـ التصوير الرمزي:
تستخدم الشاعرة الرمزية بشكل بارز للتعبير عن الألم والأمل. يشير وصف “الكروم” و “موعدُ القطاف” إلى انتظار الحصاد، وهو رمز للقاء المستقبلي. عندما تقول:
“صبراً جميلاً يا حبيبي، سيأتي موعدُ القطاف، ويتساقط عليك رطباً جنياً”
هذا يعكس شعورًا بالتفاؤل رغم كل الألم والتحديات. تمثل رمزيات الكروم والقطاف مرحلة إيجابية تعبر عن الأمل المتجدد والفرص القادمة في الحياة.
5ـ عبور النكبات:
تبين القصيدة كيف أن الألم والخسارة لا يدومان للأبد، وتظهر عملية العبور من النكبات إلى الأمل. تشير الشاعرة إلى إمكانية التجديد والنمو مع كل لقاء:
“سأدخلُ في غفوةِ روحٍ، تشبهُ السكينة”
تهذه العبارة تعبر عن إمكانية العثور على السكينة بعد العذاب، مما يعزز الفكرة أن الحياة ذات دورة مستمرة من الألم والأمل والنمو.
الأسلوب اللغوي والتعبيري
تتسم اللغة الشعرية في قصيدة “ما وراء الغمام” بالعمق والشفافية، حيث تستخدم الشاعرة المفردات لتخلق صورًا حية ومعبرة. تعتمد فيروز مخول على التجسيد والتشخيص لتقديم المشاعر، مما يجعل القارئ يتفاعل بعمق مع النص.
-
الاستعارات، تستخدم الشاعرة الاستعارات بشكل مبدع لتعزيز المعاني العاطفية في النص. فعندما تقول: “الورقُ لا يضيعُ رائحةَ الحبِ”، تُبرز الاستعارة هنا أن مشاعر الحب تبقى متعلقة بالذاكرة حتى في غياب الشخص المحبوب. تشير إلى أن الذكريات المنسوجة بالحب لا يمكن أن تُمحى أو تُنسى، بل تظل عالقة في القلب والعقل هذا الاستخدام يجعل القارئ يتأمل العلاقة بين الزمن والذاكرة، ويعزز شعور الفقد والأمل.
-
التشبيه، تستخدم الشاعرة التشبيهات بذكاء لتوصيل مشاعرها. عندما تقول:
“وجهكَ المخضبُ بأريجِ الفصولِ” هنا، تُشَبِّه الشاعرة وجه المحبوب بأريج الفصول، مما يعبر عن جماله وحيويته، كما يعكس التحولات العاطفية المرتبطة بتجارب الحزن والفرح. تشبيه الفصول يعكس أيضًا دورة الحياة والتقلبات العاطفية تمنح القارئ إحساسًا بالاستمرارية رغم الألم، هذا النوع من التشبيه يُعزز الصورة الذهنية ويعمق ارتباطه بمشاعر الشاعرة.
-
الطباق، تستخدم الشاعرة أيضًا التقنية البلاغية المعروفة بالطباق، حيث تُبرز التناقضات في مشاعرها بين الحزن والأمل في أحد مقاطع القصيدة، تقول:
“أعلمُ أنَّ الحزنَ والحبورَ لا يجتمعان!! ولكنّ شمعةَ الأملِ لم تنطفئ في ربيعي رغم أناتِ السنينِ الطوال” غالبا ما يعبر الطباق عن النفور بين المادي والحسي، وما يجعل النهايات موجعة دائما ولكن في هذه القصيدة وإن كان يعبر عن الصراع بين مشاعري الفرح والحزن، مما يبرز الصعوبة التي يعيشها الفرد في مواجهة هذا الانقسام العاطفي من خلال هذا التباين إلا أن الشاعرة تؤكد على فكرة أن الأمل يمكن أن يضيء حتى في أحلك اللحظات، مما يشكل جسرًا بين الحزن والفرح.
الأساليب البلاغية مثل الاستعارة والتشبيه والطباق، هي أدوات فعالة في قصيدة “ما وراء الغمام” لتعزيز الرسائل العميقة والجوهرية التي ترغب الشاعرة في إيصالها. من خلال استخدام هذه الأساليب، تنجح فيروز مخول في خلق تجربة شعرية تتجاوز مجرد الكلمات، وتصبح تعبيرًا فنيًا يجسد الصراع العاطفي والتنوع في التجربة البشرية، مما يعزز من عمق تأثير القصيدة على القارئ ويمنحه تأملات غنية في الوجود والأمل.
في ختام هذه القراءة مرت بذهني أسئلة كثيرة لعل أهمها هل يجوز لنا أن نسلم بقول الكاتب الروسي ليو تولستوي، إن “الغياب والفقد يضربان قلب الإنسان كالعاصفة، لكنهما يُظهران أيضًا السبل التي نستطيع من خلالها النمو والتعافي”.
هل يجوز لنا القول: إن التجارب العميقة في وجودنا عندما تسلط الضوء على أهمية الألم كجزء من التجربة الإنسانية، تصبح الأكثر تأثيرا على تفكيرنا ومشاعرنا حيث يتحول الفقد إلى مصدر للأمل والإصرار على الحياة بعد كل محنة؟
No Result
View All Result