أصدر المركز القومي للترجمة، في القاهرة، كتاب «التاريخ الكامل لطريق الحرير» للمؤرخ الصيني «ووبن»، ترجمة ريهام سمير سعد، والكتاب يقدم ويتتبع ويرصد لأول مرة مسارات طريق الحرير من زوايا عدة.
يتحدث الكتاب عن الأساطير الصينية وتواصل الثقافات وتبادل المنتجات والتقنيات والغزوات والمعارك والفتوحات ونشر الأديان وسفر الرهبان ومبادرات السلام، ويذكر نصوصاً واقتباسات من سجلات كلاسيكية ووثائق ومراسيم وكتب ومؤلفات، صاغها أباطرة وملوك وقادة وعلماء وأدباء من شتى بلدان العالم، مستعرضاً الفترات المتعاقبة، وتأثير التواصل والتبادل في مجرى التاريخ.
طرِح اسم (طريق الحرير) في وقت مبكر من العالم الجغرافي والجيولوجي الألماني ريشتهوفن الذي ورث تقاليد عصر الاستكشاف الأوروبي، المنبثق في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فقام من عام 1868 م إلى عام 1872 م بسبع رحلات استكشافية إلى الصين، جاب خلالها معظم أراضيها، وبعد عودته مرة أخرى إلى وطنه، نشر خمسة مجلدات بعنوان (نتائج رحلتي الاستكشافية للصين والأبحاث القائمة عليها).
ذكر المستكشف الشهير سفين أندرس هيدين – تلميذ ريشتهوفن- في كتاب (طريق الحرير) الذي نشر في ثلاثينات القرن العشرين «أن مسمى (طريق الحرير) لم يذكر من قبل في الوثائق الصينية، بل على الأغلب كان أول من طرح هذا المسمى الوصفي هو ريشتهوفن، فقد ذكر مصطلح (طريق الحرير) في كتاب شهير عن الصين، ووضح إحداثياته على الخريطة، وزاد على ذلك إيضاحاً لطريق الحرير البحري».
قال سفين أندرس هيدين: «إن طريق الحرير اسم يفسر المسألة برمتها» مؤكداً بشكل كامل التطور الأكاديمي المهم لهذا المفهوم في ظل آلاف من سنوات خيم عليها ركام الصعوبات والغموض، حيث إن تأثيره لم يقتصر على فتح آفاق للتبادلات الثقافية الصينية والأجنبية فحسب، بل ساهم أيضا في وجود تبادلات استمرت لآلاف السنوات من التاريخ الثقافي الصيني والتاريخ الثقافي العالمي، وطالما كان خطاً مرورياً رئيسياً، ويقول بعض علماء الغرب: إن تاريخ طريق الحرير «نصف تاريخ العالم» فهو يروي تاريخ التبادلات الثقافية العالمية، التي مرت عبر قارة آسيا.
طريق الحوار
استناداً إلى الواقع والعالم الأكاديمي الحديث، أصبح «طريق الحرير» مصطلحاً متعارفاً عليه، اشتمل هذا المصطلح على ما هو أكثر من جغرافية (الطريق)، عرفته منظمة اليونسكو بأنه «طريق الحوار» فقد خلق حواراً بين الشرق والغرب، بين الثقافات العرقية المختلفة في أوراسيا، وبين الشعوب وبعضها.
ولأن (طريق الحرير) كان طريق التقاء وتبادل وتحاور الثقافات الشرقية والثقافات الغربية، حاز مكانة وأهمية خاصة في تاريخ الثقافة العالمي، فهو رحم الثقافات العالمية الرئيسية، إذ إننا نجد قيام العديد من الحضارات القديمة حول نهاية الطريق على وجه الخصوص، كحضارة بلاد ما بين النهرين، والحضارة المصرية، والحضارة الخوارزمية، وحضارة نهر السند، والحضارة الصينية.
التقاء الشرق والغرب
التقى الشرق والغرب بفضل طريق الحرير، اجتمعت عليه ثقافات الدول المختلفة كان أشبه بشريط ذهبي، يمتد عبر أوراسيا القديمة، ويربط الشرق بالغرب أصبح طريقاً مرورياً لاتصال وتواصل شعوب أرض أوراسيا ببعضها، كان منطقة الحضارة المتقدمة في العصر القديم في العالم، لذا يعد الطريق المروري الذي ربط العديد من الحضارات الكبرى، وموضع تلاقيها وتواصلها الدائم، وسبيل التبادل المستمر للمنتجات المادية والأساليب الحياتية والعادات الروحية بين الشعوب، فقد عاصر آلاف السنين من الانتصارات والهزائم، وجمع عظمة ثقافة وتاريخ العصر القديم.
يوضح الكتاب أنه على امتداد هذا الطريق، خلال سنين طويلة تصل إلى آلاف السنين، التقى على نحو مستمر تجار ومبعوثون رسميون ورهبان ومستكشفون ومسافرون، إلى جانب المهاجرين والجيوش وكان ممراً كبيراً للتجارة الدولية، على امتداده تم تصدير الحرير والخزف والشاي وغيرها من المنتجات الصينية الغنية إلى مختلف البلدان، ومن خلاله انتقلت مهارات الإنتاج والمعارف العلمية الصينية إلى العالم الغربي، وتداولت المعلومات والقصص الشفاهية عن طريقه، إلى جانب رواج أدب الرحلات الصيني.