د. رائدة العامري/ العراق_
تدخل قضية التعبير عن الذات في أحرج مواقفها مساحة مهمة في التاريخ الإنساني الإبداعي؛ لأن الوعي بالذات هو نقطة انطلاق نحو الذات”، وكلما كان الوعي بالذات قويا وصحيحا انعكس هذا إيجابيا على قدرة الإنسان للتعبير عن جوهر أفكاره وأحاسيسه، ولا سيما إذا تعلّقت هذه الأحاسيس بظاهرة الحزن الضاربة في أعمق أعماق النفس البشرية بما لا يمكن تجاوزها أو التقليل من خطورتها أو نسيانها. وذلك لحساسية الحالة الإنسانية وقربها من الروح الحية للشاعرة؛ وهي تعبّر عن رؤيتها للعالم والأشياء والذات والموضوع في أكثر من سياق وأكثر من أسلوب، فضلا على أن طبيعة الحزن ورومانسيته هي الأقرب إلى روح الشعر وإيقاعه وانفتاحه على العواطف الإنسانية والخيال البشري، في محطات كثيرة تكون فيها حالة الحزن هي الأقرب إلى الإحساس المتدفق المترامي الأطراف.
الشعر الأنثوي بلا أدنى شك هو الأكثر استيعابا لفعالية الحزن اعتمادا على الطبيعة الأنثوية الخاصة بالمرأة؛ في حساسيتها المرهفة العالية وتعاملها الرقيق مع مفردات الحياة بحيث تتأثر بأي موقف مهما كان صغيرا وعابرا ومرتجلا، ولعل تجربة الشاعرة فيروزه العميقة المعروفة تجعل فكرة اختيارنا نموذجا لهذه الدراسة صائبة على هذا المستوى، فقد سخّرت نصها الشعري يستجيب لعفويتها ورقتها وجمال روحها ودينامية حراكها الشعري المميز، وهذه السمات تضاعف من طاقة ارتباطها الوثيق بالمشاعر والعواطف والوجدان الإنساني، وهو ما ينعكس على الشعر بشكل طبيعي ومؤثر في وسط الاستقبال والتلقي.
إذ يندفع مسار القصيدة لوحة شعرية يصف فيها الراوي الذاتي الشعري يوما من أيام حياتيه على شكل يومية شعرية، يحضر فيها فضاء الحزن بشكل أكثر قسوة من ذي قبل حيث تتشتّت صورة الزمن وتكاد تنمحي:
“باق هنا
هنا باق….
ولن أرحل …
سيبقى في يدي المنجل ….
غلالي سوف أحصدها..
بلا خوف..
بلا يأس..
ليوم قادم أجمل
فحاصرني كما تهوى ….
وقيدني… كما تهوى….
ومزقني أنا الأعزل….
هنا باق……
ولن أرحل.
هنا أرضي هذا قمري …..
هنا روحي هذا قدري …
وتاريخي وأحبابي …
کوشم بات محفورا…
على بابي
على قبري… وأهدابي…
وعطر فوق أثوابي“
تشكيل دلالي شديد القسوة والحزن، فتبدأ من الجملة السياقية بلغة بسيطة وواضحة ومباشرة هي ” هنا باق….”، سرعان ما تعقبها الجملة الشعرية الثانية الحالية “ولن أرحل …/سيبقى في يدي المنجل ….” في صورة توضّح مستوى الإرادة القوية والحزن في تفاصيل اللوحة الشعرية، التي تستمر في رواية الحدث الشعري بتفاصيله المليئة بالحزن” فحاصرني كما تهوى/وقيدني/ كما تهوى/ ومزقني أنا الأعزل”، لوحة لصورة قائمة قادمة من الزمن الخاص، وهو يتجلى في تعابير شعرية شديدة القسوة “وتاريخي وأحبابي/ کوشم بات محفورا”، للدلالة على ضياع الزمن وتفتته في تفاعل مع بقاء الجسد وثبات ملامحه.
تصل الصورة في هذه اللوحة الشعرية إلى أقصى درجات الألم على نحو يضاعف من شكل الحزن في الحدث الشعري المستعاد “على بابي على قبري/ وأهدابي/ وعطر فوق أثوابي”، حيث تسهم ألفاظ القوة مع ألفاظ الألم الباقي في صياغة صورة الحزن، انطلاقا من طبيعة وقدرة الحراك الشعري الذاكراتي في اللوحة الشعرية.
ليواصل الراوي الشعرية تفاصيل المحكي الشعري لوصف هذه اليومية الشعرية بما تنطوي عليه من أحداث زمنية، داخل صورة مكانية طالعة من وحي هذه الزمنية ومن عمق حضور الحزن العميم فيها على نحو تتكدّس في الألفاظ داخل رؤية شعرية خاصة، إذ تقول:
“يا ابن بعض الفلسفات
يرحل الماضي ويبقى
نائماً نوماً عميقاً
في خوابي الذكريات
أين من كان صغيراً
ليس يدري ما الحياة
أينَ من صار فتى
يُهدي وروداً للبنات
أينَ أمِّي..يا حنيناً
هب من كل الجهات
كيف يحيا مِنْ جديدٍ”
إذ تعيد الذات الشاعرة الراوية إنتاج المحكي الشعري الخاص بهذه اليومية الشعرية بكل ما تحمله من ألم وحزن وفقدان، فاللوحة تبدأ بنشر الصورة المؤلمة في وصف اليومية التي يروم الراوي وصف يومه فيها ” يرحل الماضي ويبقى/نائماً نوماً عميقاً “، فالعلامة التي تنتجها صورة الألم تعمل على حضور هذا المعنى في سياق تراكم معنى دلالي محدد، ومن تجليات نسيج الحزن ” أين من كان صغيراً/ ليس يدري ما الحياة/ أينَ من صار فتى/ يُهدي وروداً للبنات/ أينَ أمِّي”، كي نلاحظ حجم التراكم اللفظي للدلالات المؤلمة.
تندفع اللغة الشاعرية باتجاه التفاصيل الأخرى ذات العلاقة لتحقيق الفضاء السردي للمحكي الشعري تعضدها الجملة الشعرية اللاحقة حين تضيف إليها دلالات جديدة في هذا الإطار ” يا حنيناً هب من كل الجهات/ كيف يحيا مِنْ جديدٍ “، بما يصنع حكاية شعرية لتوفّر طاقة من الحزن في جوهر اللوحة وتفاصيلها.
تواصل الذات الشاعرة الراوية سرد الحدث الشعري من خلال الأزمة النفسية التي تعيشها وهي تصف هذه اليومية، التي تعبّر عن موقفها من الحياة والأشياء والرؤى والأفكار والقيم من جهات عاطفية ووجدانية مختلفة بصورة تهيمن عليها ألفاظ الحزن والفقدان من لوحات القصيدة التي تؤكّد أن فعل المحو أضاع كل شيء إلى النهاية
تنتقل فعاليات الحراك الشعري في القصيدة نحو لوحة تستفهم الذات الشاعرة الراوية في خطابها الموجّه نحو الآخر لتدرك حجم حضوره فيها وحجم معاناتها، بكل ما تحمله صفة الغربة والاغتراب على نحو لا تحمله تلك الصور الصوفية التي رسمتها الذات الشاعرة الراوية في لوحة الإدراك، وهي تتوزّع بين الألم بلا مصير واضح يسير على مساحة داخل هذه الرؤية الشعرية المشحونة بالحزن الخفي، وداخل شعري حكائي يحيط الصورة برعاية كاملة وشاملة.
توظّف الذات الشاعرة الراوية في رسم مسار القصيدة وتشكيل اللوحة اللاحقة المرتبطة بسابقتها، من خلال التفاعل بين قصة النص مشبهة بالعلاقة بين الراوية الأنثى والآخر الذكوري، في صياغة تناصية تحاول بناء الحكاية الشعرية على أساس موحيات القصة بالدخول في عالم الحزن بطريقة رومانسية، تسعى إلى الإجابة عن أسئلة القصيدة مع رغبة التواصل والديمومة لتستوعب حالات الحزن بصورها وأشكالها المتعددة في لوحات القصيدة كلها.