محمد العزو
بابل، وتعني في اللغة “الآكادية” (بوابة الإله). ظهرت الحضارة “البابلية” ما بين عامي /188و600/ قبل الميلاد، حيث أسس الملك ” سومو- لا- إل” سلالة في “بابل”، واكتسبت المدينة دوراً رئيساً بقيادة الملك “حمورابي” وخلفائه ابتداءً من القرن الثامن عشر قبل الميلاد، حيث أصبحت “بابل” في عهده (1792 – 1750 ق.م) مملكة مأهولة بالسكان والأقوى في المنطقة، كان مركز إقليم “بابل” هو مدينة “بابل” والتي مرّ عليها خلال فترات وجودها العديد من الشعوب والحكام. وهي مدينة عريقة تنتمي إلى حضارة “ما بين النهرين”.
وتعد بابل من أكثر مدن التاريخ تأثيراً وشهرة، وقد ورد ذكرها في الكثير من المواضِع في “الإنجيل”، واكتسبت شهرتها الرحِيبة من جدرها ومبانيها الباسقة المزينة، ومكانتها كقاعدة لاكتساب المعرفة والثقافة، كما أن “بابل” اشتهرت بتشكيل قواعد القانون التي كانت سابقة على شريعة “موسى”، ومن أوْضح ما اشتهرت به “بابل” حدائقها المعلقة، إذ إنها كانت في الماضي إحدى عجائب الدنيا السبع. وكما نوهنا سابقاً فإن تسمية “بابل” تعود إلى اللغة (الآكادية). فهي تسمية مشتقة من “bav – il” او من “bav – ilim” وتعني بوالة الإلهة، أما “بابل” (Babel) فهو الاسم “العبري” للمدينة، هذا وقد ورد الاسم في “الإنجيل” بمعنى الارتباك أي، عدم القدرة على التفكير كالمعتاد، وهذه الكلمة كانت تستعمل في الإشارة إلى الحالة التي كان عليها أهل المدينة في إلحادهم.. تاريخياً يعود تاريخ بناء مدينة “بابل” إلى ما قبل فترة حكم “سرجون الآكادي” /2334 ق.م/. وكانت “بابل” في تلك الفترة مدينة صغيرة أشبه بالبلدة كميناء على “الفرات”، ونتيجة لهذا الوضع كانت مياه النهر قد غمرت آثار “بابل” القديمة. أما الآثار الظاهرة للعيان حالياً فهي تعود إلى فترة متأخرة من بناء المدينة تقدر بألف سنة. لذلك؛ فالتاريخ الواضح والمعروف “لبابل” يعود إلى الملك “حمورابي” الذي حكم بابل بين عامي /1792- 1750ق.م/. وكان “حمورابي” قد ورث الحكم عن أبيه الملك الشهير “سين موباليت”. وخلال فترة وجيزة استطاع “حمورابي” أن يجعل من مدينة “بابل” مدينة قوية ذات بأس شديد ومركز كان له تأثير كبير في كامل بلاد “ما بين النهرين”، حينها قام بوضع شريعته (شريعة حمورابي) التي حفظت الأمن والسلام في المدينة، واستطاع “حمورابي” تنفيذ أعمال سريعة منها بناء المعابد وشق القنوات العملاقة في “بابل” “ومن أعماله المعروفة خارج (بابل) قناة (النيل) التي اشتقها من “الفرات” في مدينة “توتول” المدينة السالفة “للرقة” في الألف الثالث قبل الميلاد”. حتى أنه استطاع توحيد حضارة ما بين النهرين بريادة “بابل”، حيث أنها احتلت مكانة كبيرة ومرموقة في ذلك الوقت، وأطلق عليها “حمورابي” اسم “بلاد بابل”.. بعد وفاة “حمورابي” تفكك تلاحم وترابط إمبراطورية “بابل”، وضعفت المدينة واحتلها (الحيثيون) سنة/1595ق،م، ثم احتلها (الكيشيون)، ومن ثم سيطر “الآشوريون” على المنطقة وأصبحت “بابل” تحت سيطرة الملك “سنحاريب” بين عامي 705 – 681 ق.م، حيث دمرت آثارها وفي عهد ابنه “أسرحدون” جدد بناء “بابل” وأعاد لها مجدها. كان للثورة التي قامت في بابل ضد الملك “آشور بانيبال” ضرر خفيف على المدينة وبعد سقوط الدولة الآشورية عام /612 ق.م/ تربع على عرش السلطة الملك الكلداني “نبو بلاسر”. كان ملكاً حكيماً إذ إنه استطاع أن يبني الإمبراطورية البابلية الجديدة، وتبعه ولده “نبوخذ نصر الثاني” الذي حكم البلاد بين عامي/604 – 561 ق.م/ الذي قام بترميم المدينة ووسعها وترك بصمات حضارية تمثلت بالكم الهائل والجميل من التماثيل والمعابد في حضارة بلاد الرافدين. ومن أبرز من ذكر “بابل” المؤرخ الإغريقي “هيرودوت”.. أما فيما يخص (حدائق بابل) المعلقة فقد بناها الملك “نبوخذ نصر” وينسب إليه بناء بوابة عشتار ومعبد (إماخ)، ومعبد (إيزاجلا) ومعبد (إيساكلا)، إلى جانب النقوش والكتابات المسمارية والمصنوعات الفخارية والمجوهرات وغيرها من الآثار.
ويعتبر برج “بابل” من أكثر المرويات التاريخية والدينية التي تشتهر بها مدينة “بابل”، وقد ورد ذكر هذه المروية في سفر التكوين.. الحدائق المعلقة هي إحدى عجائب الدنيا السبع القديمة التي بناها الملك “نبوخذ نصر الثاني”، حيث تم وصف آلية رفع المياه بواسطة أنابيب لولبية ترفع المياه إلى الحدائق من نهر “الفرات”.. وعن قصة هذه الحدائق تروي الأساطير عنها كهدية من الملك “نبوخذ نصر الثاني” لزوجته الأميرة (أميتيس)، ويقال: إنها كانت تشتاق إلى مشاهدة المناظر الطبيعية في وطنها. وقد تم وصف هذه الحدائق بأنها معلقة ومعمورة بالنباتات الخضراء والشلالات والأزهار والتيارات المائية. ورغم ذلك فإن الأدلة الأثرية على هذه الحدائق هي محدودة. وحين زارها المؤرخ اليوناني (هيرودوت) قال عنها؛ (إنها لا تضاهيها في عظمتها وسعتها مدينة أخرى).
“بابل” العظيمة تحفظ تاريخ أرض الرافدين بسحرها وبريقها وحضارتها الفنية المتقنة، “بابل” عاصمة البابليين التي اشتهرت بآثارها وبملوكها الذين بلغ عددهم أحد عشر ملكاً وعرفت بالسلالة الأمورية العمرانية.




