عبد الرحمن محمد
تعدُّ معارض الكتب من أشهر الفعاليات الثقافية والأدبية في بلدان العالم، وطالما كانت الكتب وما يطبع، وما يقرأ منها مقياسا للتقدم والتطور الثقافي والفكري في الدول والمجتمعات، ودلالة حضارية وعلامة من علامات تقدم الأمم.
في إقليم شمال وشرق سوريا أيضا تكتسب المعارض تلك الأهمية، ويضاف إلى ذلك أهمية أخرى وهو أن مناطق الإدارة الذاتية وبالأخص “روج آفا” عانت لعقود طوال من التهميش والصهر الثقافي، وكانت المعارض سواء التشكيلية منها، أو معارض الكتب حلما طالما راود أبناء المنطقة، بل إن طباعة كتاب واحد ونشره كان يحتاج لرقابة وموافقة وتدقيق عميق للشكل والمحتوى، وقص وحذف للكثير مما تحتويه دفتا الكتاب، وكان مصيره حالتين لا ثالث لهما، إما كتاب أجوف يخلو من قيمة أدبية حقيقية ودلائل ومعلومات تاريخية وقيمة مضافة، لا قيمة لها،
وليس فيه سوى المديح والتطبيل والتضليل، وإما الرفض ليجد طريقه على سلال المهملات.
خلال أعوام خلت وفي السنوات التي واكبت الأزمة السورية، وثورة روج آفا التي غيرت المفاهيم والمعطيات، وفتحت الآفاق للثقافة المتنورة وحرية الفكر وما يرافقها من حرية للكتابة والنشر والتعبير، وتحررت مئات الأقلام عن غمدها، لتنطق بالحق وتصحح التاريخ المشوه، وتُعرف بالثقافات المشتركة والأصيلة المتكاملة في المنطقة، مع الحفاظ على خصوصية كل ثقافة وأصالتها وما تكتنزه من عراقة وتميز، كل ذلك كان لا بد له من مظلة ثقافية أدبية مجتمعية، تحافظ على الأصالة والإرث والموروث الثقافي للشعوب، وتنهج السبيل العلمي الراقي والبحث في دهاليز المعرفة والفكر الحضاري والشعبي المكتوب والموثق والشفاهي، فكانت الهيئات الثقافية والمؤسسات والمكتبات ودور النشر، تعمل على إقامة معارض الكتب، لتكون فرصة للتعرف على النتاج الفكري والأدبي والمعرفي وتبادل هذا النتاج الفكري والثقافي والتعريف به للعالم.
منذ إطلاق النسخة الأولى من معرض الشهيد هركول للكتاب، والذي حمل اسم الشهيد “هركول – حسين شاويش” أحد أبرز الشخصيات الوطنية والقامات الثقافية في إقليم شمال وشرق سوريا، بهدف التنوير والدفع بالحراك الثقافي للأمام، وفتح المجال أمام الكتاب والمفكرين لعرض أعمالهم والتعريف بها، وإتاحة أجواء مثالية للتلاقح الثقافي والمعرفي وفتح المجال لدور النشر والمكتبات وحتى للشخصيات بعرض ما لديهم من نتاج فكري تحتويه كتبهم ومنشوراتهم وباللغات العربية والكردية والسريانية، وبعض اللغات العالمية، لتكون الفائدة عامة وشاملة.
في النسخة الثامنة من المعرض الأهم في إقليم شمال وشرق سوريا، لا شك أنه تمت الاستفادة من التجارب السابقة خلال الدورات السبع الفائتة، والتي أقيمت في ظروف استثنائية بمجملها، وتم تجاوز بعض الصعوبات كتغيير موعد إقامة المعرض من شهر تموز إلى شهر تشرين الأول، والتعرف إلى تجارب وطرق إقامة المعارض، والنشاطات الثقافية الموازية التي باتت معروفة ومميزة لما تحمله من قيمة معرفية تضاف للمعرض، وهي تشمل بالمجمل معارض فن تشكيلي ومحاضرات وندوات حوارية وحفلات توقيع كتب.
الأنظار تتجه مرة أخرى إلى صالة زانا التي شهدت إقامة أغلب نسخ المعرض، فيما المهتمون بالشأن الثقافي وأصحاب الأقلام التي كتبت وتكتب تنتظر فتح أبواب المعرض لترى ثمرات الفكر والإبداع وهي تتعانق وتخاطب طلاب المعرفة: “إننا هنا نمنح نزهة للعقول، وراحة للبال، وتنويرا للذهن والفكر، أقبِل وامنحنا شرف القراءة، لنمنحك ما تصبو إليه من المعلومة المفيدة والكلمة الطيبة، والفكرة المشوقة، والمعرفة العميقة، اقرأنا وستقرأ من خلالنا العالم وما يحوي”.
الدورة الثامنة لمعرض الشهيد “هركول” للكتاب تحمل الكثير من الجديد هذا العام، ولا شك أن أسبوعا من الفعاليات الثقافية المتنوعة التي سترافق المعرض بالإضافة إلى آلاف الكتب ومئات العناوين ستروي بعضا من النهم الثقافي.




