No Result
View All Result
محمد العزو_
في بداية الإسكان والإعمار في “الرقة” أطلق عليه الأهالي اسم الجامع العتيج “القديم”، وعندما أخذت أعمال التنقيب الأثري بـ “الرقة” في التوسع قال أهل “الرقة” عنه الجامع الأثري ومنهم من أسماه بالجامع الكبير.
ويقصد بـ “الجامع الكبير” الجامع “الحميدي” الحديث، وكلمة الكبير تُعزى لمسميات المساجد من العصر الأموي” فيقولون الجامع الأموي الكبير “بدمشق”، والجامع الأموي الكبير “بحلب” (جامع زكريا)، أما في “الرقة” فيقال لجامع “المنيطير” في “الرقة البيضاء” الجامع الأموي الكبير أيضاً وهو من المساجد الأولى في الإسلام التي شيدت في (الرقة البيضاء) “الرقة القديمة”، وكان يسميه أهل الرقة القديمة “جامع المنيطير”، والاسم مأخوذ من مئذنة الجامع، التي تعود للعصر “البيزنطي” كانت وظيفتها مراقبة النهر أي “النطارة”. كانت مساحته (100×100م) مساحة الجامع الأموي الكبير بدمشق نفسها، وقد شيد هذا الجامع سنة /20 هـ – 641م/ ، وذلك في عهد والي “الرقة” البيضاء” الثاني (سعيد بن عامر بن حذي). أما القول باسم جامع “وابصة الأسدي” عن جامع “المنصور” فهذا خطأ كبير؛ لأن “وابصة” قدم (الرقة البيضاء) سنة /20/ هـ ومات فيها سنة 89/ هـ، في حين أن “الرافقة” بنيت بعد وفاته بما يقارب من 65 سنة. والقبر الذي كان في ساحة جامع “المنصور” يعود لوالي تركي كان في القرن الثامن عشر الميلادي يتأهب للسفر إلى “بغداد” لكنه مات فجأة بمرض الطاعون.
كان الخليفة “المنصور” قد أمر ببناء مدينة جديدة بالقرب من “الرقة” البيضاء في بداية الربع الأخير من القرن الثامن الميلادي /155هـ 772/م، وقد أوكل هذه المهمة إلى ابنه “المهدي”، الذي كلّفّ المهندس المعماري “أدهم بن محرز” بوضع خطة بناء المدينة.
من المحتمل أنّ “أدهم”، قد اعتمد على نظام بناء المدن في سياقه التاريخي، الذي يقضي بأن تكون المدينة مسوّرة، وداخل الأسوار يقتضي الأمر أنْ يُبنى المسجد الجامع، وقصر الإمارة والسوق التجاري، ومن ثمّ تخطيط الشوارع المهندس المعماري “أدهم” فَطِنَ إلى أنّ المدينة الجديدة التي كُلف بمهمة بنائها من خليفة المسلمين، تقع على مقربة من حدود الدولة “البيزنطية” من جهة الشمال، كما أنها تقع على أطراف البادية ذات الطقس الحار والجاف، لذلك نجد أنّ المخطط جاء متوافقاً مع هذه الحالة البيئية.
شُيد مسجد “المنصور” في “الرقة”(الرافقة) في الفترة الأولى لبناء المدينة، وهو يصنّف من المباني العباسية الأولى، التي حملت سمة العمارة العباسية التي أثرت وتأثرت بالموروث المعماري العالمي الذي سبقها. سمي المسجد بالجامع لأنه المسجد الذي تقام فيه الصلوات الخمس وصلاة العيدين وصلاة الجمعة ويتم الاعتكاف فيه، وهناك اعتقاد خاطئ أن (نور الدين محمود الزنكي) هو باني المسجد، لكن اللوحة المكتوبة بالخط النسخ الواقعة في منتصف واجهة الأقواس الجنوبية، والتي ما تزال موجودة إلى الآن تشير إلى أن (نور الدين محمود بن زنكي) هو من قام بترميم الجامع فقط سنة عام ٥١٦ هـ، وشيد مئذنته لأول مرة. وكما أسلفنا سابقاً، أنّ قُربَ “الرافقة – الرقة” من حدود الدولة “البيزنطية”، جعل منها مدينة عسكرية، لذلك نجد أنّ أغلب مبانيها بُنيت على شكل قلاع أو حصون، أي أنها منعزلة وسط ساحة، ومنها مسجد “المنصور” ذو الأبعاد /100×98/م، الذي تقارب مساحته مساحة مسجد بني “أمية” الكبير في “دمشق”. تشكل الأطلال المتبقية اليوم من مسجد “المنصور” جزءاً يسيراً من المسقط الرئيس للمسجد، الذي لم يبقَ منه سوى السور الخارجي وواجهة الحرم والمئذنة، التي بنيت في الفترة “الزنكية”. في عام /1161/م وأطلال بعض العضادات والمحاريب وبقايا بعض المداخل، التي جميعها خضعت سابقا لأعمال ترميمات منهجية، ويقع المسجد الجامع مع قصر الإمارة المندثر في وسط المدينة القديمة، عند نقطة تقاطع شارع /23/ شباط مع شارع “سيف الدولة” في وقتنا الحاضر.
من الناحية المعمارية الصرفة يشير وجود المسجد في ساحة واسعة ومفتوحة، إلى أن المعماري يمتلك الحرية في فتح المداخل والمخارج على حد سواء، حيث نراه قد زاد من عدد المداخل في الأضلاع الشرقية والغربية والشمالية لتوفير وتسهيل عملية الدخول والخروج من وإلى حرم المسجد، إنّ البيئة والمحيط قد فرضتا على المهندس المعماري، أنْ يمازج بين أنماط من أشكال الفنون المعمارية، إذ نجده قد استعار بنية سقف المسجد من فن العمارة السورية، حيث جاء هذا السقف على شكل جاملون مغطى بالآجر الأحمر المحروق بمقاسات كبيرة، ثم استعمال مادة اللبن المجفف تحت أشعة الشمس، ومادة الآجر في بناء السور والأقواس والأجزاء المعمارية الأخرى، فهو من نمط العمارتين الرافدية والفارسية متأثره بالنمط السوري المعماري.
استخدام في البناء مواد الآجر المشوي وغير المشوي واللبن والجص والخشب والزجاج والخزف، وبتفضيل الأكتاف أو الدعامات على الأعمدة في حمل البوائك، كما نجد فيه أيضاً نزعة ترمي إلى التحرر والإبداع في فرش أرض القاعات، والبدء في استعمال الأشكال، ويُنسب مسجد “الرقة” تاريخياً إلى أشكال العمارة ذات البيئة الصحراوية، والتي بنيت ضمن ساحات منفصلة مبنية على شكل حصون، وهذا الأمر فُرض على مسجد “الرقة” بشكل خاص، والبناء مستقل من الجهات كلها.
هذا الواقع تطلب أنْ يخضع هذا المسجد الجامع، والمساجد التي هي على شاكلته، إلى تصاميم تأخذ بعين الاعتبار سماكة الجدران، وتدعيمها بأبراج ملائمة لامتصاص الضغوط الناتجة من الأعلى، وخشية الانهيار لانعدام إمكانية الربط مع الجوار، التي تلعب دوراً كبيراً في استقرار الجدران..
إنّ موقع مسجد “الرقة” في بيئة صحراوية، أوجب على المعماري أن يفكر في بناء جدران كبيرة، لكي تعمل عازلاً حرارياً لحماية المبني من الوسط الذي يحيط به، والانفتاح إلى الداخل باتجاه الصحن الرئيس الذي يحتوي على مكان الوضوء، الذي يشكل نقطة هامة من الناحية المعمارية، وما يترتب على ذلك من الناحية الاجتماعية، كما أنّ المتوضَّأ يلعب دوراً كبيراً في تلطيف وترطيب الجو الداخلي. ويتألف مسقط مسجد “المنصور” في “الرقة” من صحن واسع يحيط به الحرم وثلاثة أروقة تقع على الأضلاع الشرقية والشمالية والغربية، كما أنه من المفيد هنا أنْ نذكر أنه لحينه لم نستطع تحديد جهة الأروقة، ولا حتى جهة استناد العضادات وارتصافها، وهذا في الحقيقة راجع إلى عدم الاستمرار في الحفريات الأثرية. بقي أن نشير إلى أنّ مسجد “المنصور” في “الرقة”، يعدُّ بحق المدرسة المعمارية الأولى في العصر الذهبي للعرب في الفترة العباسية الأولى، وقد انتشر النمط المعماري الفني لهذا المسجد الفريد في أنحاء مختلفة من العالمين العربي والإسلامي آنذاك.
بدأت أعمال التنقيب والترميم في المسجد من المديرية العامة للآثار والمتاحف عام /١٩٧٦م/، مستفيدة من الدراسات التي قدمها الباحث التاريخي الألماني (هرزفيلد)، حيث تبين أن جدار الجامع عبارة عن سور نواته من اللبن المجفف بالشمس، وقد لفحت تلك النواة بمادة الآجر المشوي حماية لها، كما دعم ذلك السور بعشرين برجاً تتوزع على أضلاعه، وهي مبينة من الآجر، وتعلوها قباب على أعناق مثمنة الشكل زينت بزخارف رائعة، كما هي الحال في قصر البنات. وقد تميزت الأبراج الأربعة الموجودة في الزوايا بأنها أكثر ضخامة من باقي الأبراج الموجودة، ومن خلال الكشف والتنقيب في برج الزاوية الشمالية تبين أنه يحيط بدرج يرتقي إلى النهايات العليا لجميع الأبراج الأخرى.
ومن الخصائص، التي تميز الجامع الكبير في “الرقة” أنه يحتوي على رواق مزدوج، حيث أن الأروقة الثلاثة الموجودة في الجهة الشمالية والغربية يتألف كل منها من صفين من البوائك، ولكنها متهدمة في الوقت الحاضر. كما يحتوي المسجد منارة ذات شكل أسطواني، يبلغ ارتفاع هذه المنارة عشرين متراً ومازالت هذه المنارة باقية إلى يومنا هذا، وأهم ما يميز هذا المنبر بأنه رصف بشكل متقن للغاية وكأنه عبارة عن عمود صنع عن طريق قالب، كما كان هذا المسجد في وسط ساحة تطل المباني المحيطة به عليه، ولهذا السبب تم تشبيهه بالجامع “المنصورة” في (بغداد)، حيث بني هذا المسجد على شاكلة المساجد والمباني والقصور الموجودة في (بغداد). في باحة الجامع هناك ضريح أبي “سعيد قسيم الدولة” المتوفى سنة /٥٤١ هـ/، وقد تمكنت بعثة التنقيب عام /١٩٨٦م/ من الكشف عن كامل أرضية الحرم وهي مفروشة بالآجر وقد طليت الأرضية بطبقة جبصية لحمايتها، كما تبين وجود سويتين معماريتين إحداهما قديمة تعود إلى العصر العباسي الأول أيام (المنصور) سنة /١٥٥ هـ/ الموافق /٧٧٢ م/، والثانية ترجع إلى عهد متأخر يرجح أنه عهد /نور الدين محمود الزنكي/ كما تشير الكتابة.
يقع الجامع في القسم الشمالي وسط مدينة الرقة “الرافقة”، جنوبي القسم الدائري من السور، مستطيل الشكل وله صحن كبير مربع تقريباً، أما الحرم أو المصلى فيقع على امتداد الضلع الجنوبي، وبقربه مسجد معلق على عمود احترق سنة /١٩٧ هـ/ أثناء ثورة /نصر بن شبث/ أيام حكم /المأمون/ ويتألف بيت الصلاة أو الحرم من ثلاثة أقسام عريضة تتوضع على صفين من الدعامات، ويحتوي على /١٥/ فتحة من الأقواس التي تهدمت ونهبت حتى الأساس، أما الصحن فمحاط بثلاثة عقود تهدمت وسرقت قطع الآجر منها، وفيه مئذنة مدورة بنيت من الآجر تقع في باحته، وهي من أعمال /نور الدين محمود الرنكي/، وتشبه إلى حد كبير مأذنة قلعة (جعبر). وقد أحيطت المئذنة من أعلاها بمدماك حجري يتضمن كتابات تشير إلى بانيها (نور الدين محمود)، ويبلغ ارتفاع المئذنة /٢٠ م/، وواجهة بيت الصلاة لا تزال قائمة وتتألف من أحد عشر قوسا، وقد بنيت من الآجر غير المتساوي، لقد تم ترميم سور الجامع الذي يضم عشرين برجاً لها شكل شبه دائري، كما تم ترميم مئذنته، التي شيدت عام/1160/م في عهد “نور الدين زنكي”، وكذلك تم ترميم المداخل والمخارج والمحاريب. وذلك بدءاً من عام (1980م).
No Result
View All Result