No Result
View All Result
إعداد/ آية محمد ـ
صناعة الموزاييك الدمشقي من أقدم المهن العريقة، التي اشتهرت بها ولا تزال مدينة دمشق، ويعود تاريخ هذه الصناعة المعروف إلى 700 عام على الأقل، ونشطت إبان الوجود العثماني في المنطقة، ورغم ذلك استمرت صناعتها في الشام بفضل حرفيين مهرة وولع الدمشقيون بمثل هذه الحرف.
يستغرقون أياما في إنجاز قطعة، في تداخلات وتقاطعات الخطوط والرسوم، في حرفية قيمة فنية، تتركز هذه الحرفة بأشكال الأثاث وأنواعه، بدقة وتركيز، يرسمون الزخرفات والورود والأشكال الهندسية على الخشب، ويطعمونها بصدف بحري أو نهري، فتخرج قطعة دمشقية “مصدفة” لا تجدها وتحصل عليها إلا من حواري دمشق القديمة وأزقتها.
حرفة تحتضنها دمشق المدينة الوحيدة في العالم

وتشتهر مدينة دمشق بصناعة تطعيم الخشب أو الموزاييك وهو فن دمشقي خاص، ويعد جرجي البيطار أول من ابتكر هذه الصناعة، عندما قام بصنع أول قطعة موزاييك عام 1860 وذلك بجمع قضبان من الخشب الطبيعي الملون، بمقطع مثلث، أو مربع ثم شرَّحها على شكل رقائق، وألصقها على المصنوعات الخشبية بالغراء الطبيعي.
وقد بدأت هذه الحرفة في دمشق لقربها من الغوطة، وبساتينها الغنية بمختلف أنواع الخشب، فكل خشب له لون مختلف، وهذا أساس حرفة الموزاييك، التي انطلقت في تلك الفترة، وبدأت بالتطور وإدخال إضافات جديدة في الفترات اللاحقة.
وفن تطعيم الخشب بالصدف، أو ما يسمى الموزاييك، هو إدخال مادة الصدف كجزيئات على أنواع خشبية مختلفة، وهو عمل يدوي بشكل كامل، حيث يتم تقطيع الخشب إلى أعواد صغيرة تشكل في ربطها حزمة من أنواع، وألوان مختلفة يتم تقطيعها بشكل شرائح تجمع إلى بعضها ليخرجها بالشكل المطلوب، بحيث تجمع في القطعة الواحدة قطع عديدة على شكل مربعات أو مثلثات أو صدف لتشكل لوحة فسيفساء أخاذة الجمال.
وتطور فن الموزاييك على يد جرجي بيطار، وأنشأ مركزا لمنجور الموزاييك ضم عشرات العمال، الذين تعلموا هذا الفن الجميل منه، وتخرج في ورشته حرفيون مشهورون، حتى بلغ عددهم ما يزيد على ألف شخص، وأدى هذا الكم من الحرفيين إلى انتشار منتجات هذا الفن ورواجه تجاريا داخل سوريا وخارجها.
ويؤكد حرفيو الموزاييك في دمشق أن المعلم جرجي نقل حرفة الموزاييك نقلة كبيرة، وكان له الفضل في تعليم المئات من التلاميذ الذين أتقنوا هذه الحرفة وطوروها من بعده بإدخال الصدف وعظام الحيوانات والعاج في زخارف خشبية.

شيوخ الكار في حرفة الموزاييك في دمشق يؤكدون أن هذه الحرفة تتميز أولا بأنها حرفة يدوية بامتياز وتحتاج إلى صبر وطول بال، إضافة إلى رؤية جمالية تعتمد بموادها الأولية على أخشاب غوطة دمشق المتنوعة من السرو، والمشمش، والليمون، والجوز، والزان، والتي يتم سحب الشرائح الخشبية منها ليصار إلى جمعها على أي شكل هندسي، كنجمة صغيرة أو كبيرة مسدسات او مثمنات، ليتم تشريحها فيما بعد لتصبح شرائح رقيقة يتم تطعيم الخشب منها بأشكال مختلفة لتشكل لوحة فنية جميلة.
الاهتمام العالمي بالموزاييك
في بداية القرن التاسع عشر، بدأ التجار والمهتمون بهذا النوع من الفنون باقتناء قطع أثاث وأبواب وجدران بعض البيوت السورية، وعرضت في معارض ومتاحف عالمية. فنجد في متحف برلين للفن الإسلامي خشبيات غرفة حلبية نقلت من “بيت وكيل”، وهي تعرض لوحات زيتية عمرها نحو 400 عام، تصور موضوعات يهودية ومسيحية وإسلامية.
ويحتوي متحف “جاير أندرسون”، في القاهرة، غرفة نوم دمشقية كاملة يعود تاريخها إلى القرن 19 الميلادي، بما في ذلك جدرانها الخشبية وستائرها الحريرية، بينما يضم متحف “المتروبوليتان” في نيويورك قاعة دمشقية كاملة تعود إلى العام 1703، تحتوي سقفين خشبيين متصلين، الأول أشبه بسجادة مؤلفة من مستطيل مركزي يحتوي معينات مختلفة الأشكال والزخارف وتحيطه أربعة إطارات تنتهي بأفاريز تصل السقف والجدران. والثاني مؤلف من أعمدة عرضانية مزخرفة تتخللها خلفيات ذات زخارف مختلفة القياسات والأشكال.
وفي أعلى الجدران الكلسية، تنفتح نوافذ من الزجاج المعشق الملون وتغطى الجدران بكسوة خشبية مزخرفة تنفتح فيها أبواب الخزائن الجدارية والكتيبات، التي تزين بالأواني الخزفية والمصابيح الزجاجية أو الكتب.
وتنتشر صناعة المفروشات الشامية في ريف دمشق، حيث يتوزع فيها عدد من المعامل التي تستفيد من توافر الأخشاب المحلية في تلك المناطق كأشجار الجوز والليمون، إضافة إلى خشب الورد المستورد والذي تصنع منه المفروشات الثمينة وتنتشر محلات بيع المصنوعات الدمشقية في أسواق دمشق الشهيرة كسوق الحميدية ومدحت باشا وباب شرقي.
الأثاث الإسلامي
يعدُّ الطراز الأموي من أقدم طرز الأثاث الإسلامي، ومن أهم سماته الحفر على الخشب لإضافة زخارف هندسية سداسية (خلية النحل)، وزخارف أخرى تتضمنها آيات قرآنية مثل آية الكرسي، حيث استخدم أسلوب الحفر الغائر والمجسم للوحدات الزخرفية الذي يضفي عليها قربا إلى الطبيعة.
وازدهرت وتأصلت صناعة الأثاث عبر العصور وبخاصة في العصر الفاطمي، فتعددت المعالجات الزخرفية للأسطح واستخدم أسلوب الحفر بمستويات مختلفة لتظهر تجسيدا للعناصر الزخرفية، كالحفر البارز بالخط الكوفي المورق مع الأشكال الهندسية النجمية ثم تطور الأثاث في العصر المملوكي، وكانت دمشق مركز تطوير هذه الصناعة التي حملت اسمها.
No Result
View All Result