حمزة حرب_
يتبدل موقف أردوغان تجاه دولة ما، حسب مصالحه، فعدو الأمس أصبح صديق اليوم، ومن خلال ذلك وجه سهام أهدافه إلى منطقة الشرق الأوسط، الذي تدخل بشؤونها واحتل جزءا من أراضيها، فضلاً عن بناء قواعد تركية فيها، من خلال المتاجرة بقضايا الشعوب، فباتت علاقاته مع دول الشرق الأوسط تتأرجح بين مد المزاجية، وجزر البراغماتية.
أصاب أردوغان جنون العظمة، وحلم السلطان، فبدأ يعادي الأنظمة ويتاجر بقضايا الشعوب ليسوق نفسه على أنه مدافع عن الشعوب على أمل أن يحظى بشعبية سياسية. تناقضات أردوغان تكمن في إيمانه الكامل بالبراغماتية في سياساته، فأمام العزلة الإقليمية التي حاصرت أنقرة، وتضخم المشكلات الداخلية، التي ألقت برحلها على الاقتصاد المتهالك؛ غير نظام رجب أردوغان سياساته، وألقى بكل ما تشدق به على مدار سنوات تحت أعقاب المصالح الحزبية، والشخصية والقوموية.
سعى رئيس نظام دولة الاحتلال التركي رجب أردوغان طيلة السنوات المنصرمة إلى تقديم نفسه في المنطقة على أنه خليفة للمسلمين فتحدى إسرائيل، وقاد اقتصاد بلاده نحو الازدهار في علاقاته الاقتصادية معها، والتي أوصلت تركيا لتصنف من بين أكثر دول المنطقة على صعيد التبادل التجاري، ولطالما استخدم أردوغان الخطاب الديني الإسلامي لتقديم نفسه بصفته المدافع عن المسلمين على رغم التصرفات المتناقضة في هذا الجانب في محاولة منه للحصول على شعبية في الدول العربية، وكل ذلك لتحقيق مصالحه ومآربه في المنطقة. لكن؛ في التفاصيل وقراءة في العمق تتعرى تناقضات أردوغان في إيمانه بالبراغماتية في سياساته على حساب الشعوب، والدول والدين والقيم والأخلاق، حتى بات أردوغان للبراغماتية عنواناً، وللمنفعة سلطاناً وبالمتاجرة فناناً، وكل ذلك على حساب دماء وتطلعات شعوب المنطقة وحقها في تقرير مصيرها، الذي كفلته لها العهود والمواثيق والأعراف والمعتقدات.
أردوغان والتناقضات المفضوحة
من غير الموضوعي القول: إن أردوغان يتمتع بشعبية في العالم العربي، فنحن لا نستند إلى أي استطلاعات للرأي موثوقة في هذا الاتجاه، ولكن يمكن القول: إنه خلال فترة هيمنة التيارات الراديكالية على المشهد في أعقاب ما سمي الربيع العربي كان لأردوغان أنصاره والمدافعون عن سياساته؛ بسبب دعمه واحتضانه تنظيم الإخوان، بينما كان منتقدوه هم من اليسار والعلمانيين الرافضين تدخلاته، وتأثيره في المشهد بخاصة مع تدخلاته في سوريا واحتلال جزء من الشمال السوري، وكذلك ليبيا وتطلعاته لإحياء أحلام الإمبراطورية العثمانية البائدة.
فهو يراهن على شعبيته الزائفة في منطقة الشرق الأوسط؛ لأنها وحسب محللين مختصين، تتمتع بـ”مزاج عام” يتعلق بالأوضاع الراهنة، ويتقلب بتقلب المواقف، وهو عكس السلوك الغربي الذي يحكمه “رأي عام” وموقف موحد تجاه القضايا التاريخية والمصيرية والتوجهات المستقبلية، هذه نقطة، النقطة الأخرى لمساومة الأنظمة، ووضع هذه الشعبية على طاولة البازارات مع الأنظمة القمعية في المنطقة؛ لتحقيق مكاسب تصب في صالح دولة الاحتلال ولا تعطي شعوب المنطقة أي نقطة إيجابية.
ففي إطار تناقضات أردوغان أيضاً، برزت تصريحاته المتناقضة على السطح أيضاً في قضية مسلمي الإيغور، ففي حين شن أردوغان هجوماً على بكين في شأن هذه القضية، ووصفت وزارة خارجية دولة الاحتلال التركي ما يحدث من اضطهاد لشعب الإيغور المسلم واصفةً إياه بـ “عار كبير على الإنسانية”، إلا أنه خلال لقائه رجب أردوغان نظيره الصيني شي جينبينغ في قصر الشعب ببكين في تموز 2019 تراجع عن موقفه ليقول: “إن الأقليات الإثنية في إقليم شينغيانغ تعيش بسعادة” وعلى خلفية ذلك استثمرت الشركات الصينية المليارات في تطوير البنية التحتية التركية كجزء أساسي من مشروع بكين العملاق “الحزام والطريق”.
ومن هنا يتبين أن قضية الإيغور لأردوغان ورقة للتسويق السياسي لنظامه، إذ سعى إلى تقديم نفسه في المنطقة خليفة للمسلمين، مدافعاً عنهم ففي 2009 وصف أردوغان الإيغور، حينما كان رئيسا للوزراء: “نوع من الإبادة الجماعية”، لكن سرعان ما تغير موقفه فيما يشار إليه بـ”براغماتية” أردوغان، في ظل اعتماد أنقرة الاقتصادي المتزايد على بكين، إذ أدى الاقتصاد التركي المتعثر والعلاقات السيئة مع أوروبا إلى تقريب تركيا من الصين على حساب قضية الإيغور الذين تاجر بهم أردوغان لسنواتٍ طوال.
في سوريا، التي يحتل جيش أردوغان منها أجزاء واسعة من شمالها، نستذكر حين فتح الرئيس التركي حدود دولة الاحتلال للاجئين السوريين، تلك السياسة التي حصد من ورائها مليارات اليورو من الاتحاد الأوروبي في صفقة الإبقاء على اللاجئين لتخفيف العبء عن أوروبا، أصبح يتحدث اليوم عما يصفه بإعادة “مليون لاجئ طوعاً إلى الشمال السوري”، بينما تشن السلطات التركية حملة تستهدف آلاف “المهاجرين غير الشرعيين”، وفق وصف وزير داخلية النظام التركي علي يرلي كايا.







