No Result
View All Result
دجوار أحمد آغا_
لا يزال الشعب الكردي يرزح تحت نير الاحتلال المتعدد الأقطاب، ويناضل بكل قوة من أجل تحقيق حريته، وأنجب الكثير من الأبناء الذين قدّموا مساهمات كثيرة من أجل تحرير شعبهم ووطنهم من الاحتلال البغيض.
العشرون من أيلول عام 1992 شهد عملية اغتيال بشعة من جانب سلطات دولة الاحتلال التركي بحق أحد أبناء شعبنا الكردي، الذي كان له دور مشرّف في سبيل حرية الكرد وكردستان، إنه الأديب الكبير وشيخ الصحفيين الكرد موسى عنتر.
الولادة والنشأة
كهوف زفنكي الموغلة في التاريخ، في سهوب ميردين بباكور كردستان، شهدت ولادة طفل لعائلة عنتر سيكون له دور مهم في التعريف بقضية شعبه والكفاح من أجله. الولادة كما هو مثبت على جدران الكهف هو العام 1918 أي مع انتهاء الحرب العالمية الأولى، وكل ما حملته هذه الحرب من مجاعة ودمار وخوف ورعب للمواطنين من المجازر والإبادات الجماعية، التي ارتكبت بحقه وحق شعوب المنطقة.
توفي والده وهو ما يزال طفلاً، حيث تكفلت بمسألة تعليمه والدته فصلة عنتر، وهي تعدُّ أول امرأة في باكور كردستان وتركيا تتولى منصب “المختار”، الذي كان حكراً على الرجال. درس المرحلة الأولى من تعليمه في ماردين ومن ثم أكمل دراسته الإعدادية والثانوية في أضنة.
الدراسة وبدء بالنضال
بعد الانتهاء من المرحلة الثانوية في أضنة، توجه موسى عنتر إلى إسطنبول المدينة الكبرى، وجهة طلاب العلم والمعرفة، حيث سجل بدايةّ في كلية الآداب قسم الفلسفة، لكنه بعد أن تعرّف على “فائق بوجاك” الذي كان يدرس في كلية الحقوق، اقتنع بالانتقال إلى الحقوق بدلاً من الفلسفة، حيث تخرّج منها بجدارة، فأصدر العديد من الصحف ونشر الكثير من الكتابات والمقالات الساخرة. كانت كتاباته وفق أسلوب المضحك المبكي. فاعتُقل موسى عنتر مرات كثيرة لدرجة أنه وصف ذات مرة السجن بأنه منزله الثاني. لعل حادثة اعتقاله مع 49 من رفاقه، التي جرت في العام 1959 تعدُّ الأبرز لأنها كانت مخططة وممنهجة من أجل إبادة الكرد، حيث كان من المقرر أن يتم إلقاء القبض كل مرة على 50 مثقفاً وأديباً وسياسياً كردياً، ويتم تلفيق التهم لهم، ومن ثم إعدامهم، وبالتالي يبقى الكرد دون نخبة مثقفة، ولا قادة من أجل قيادة حركة التحرر الكردية. عُرفت القضية بقضية الـ 49 لأن أحد رفاقهم استشهد تحت التعذيب.
بيته في إسطنبول مركز الكرد
بعد أن استقر موسى عنتر في إسطنبول، أصبحت داره مركزاً ثقافياً للكرد القادمين من مختلف أجزاء كردستان، حتى أنه جاء في أحد تقارير الاستخبارات التركية، أنّ “منزل موسى عنتر الذي يقبع في إسطنبول أشبه بسفارة كردستان”. ساعد العم موسى عنتر الكثير من القادة الكرد في الوصول إلى أوروبا، ومنهم الدكتور الشهيد عبد الرحمن قاسملو حيث يقول في مذكراته حول هذه الحادثة ما يلي: “كان اثنان من الكرد الإيرانيين الذين ينحدرون من أورميه يدرسان في إسطنبول. حسين قاسملو كان يدرس في الجامعة التقنية ويقيم في سكنها، وأحمد قاسملو كان يدرس الطب ويقيم معي. في العام 1945 أحضر حسين فتى رائعاً وقدّمه لي قائلاً: (أخي موسى، هذا أخونا الصغير عبد الرحمن). أراد عبد الرحمن دراسة علم الاجتماع، فسجلته وكان يقيم معي، كان يحترق بنيران قضية الكرد وكردستان. بعد عدة شهور أخبرني بأنه يريد الذهاب إلى أوروبا. تحادثت مع الأمير كاميران بدرخان المقيم في فرنسا وأخبرته عن رغبة الصبي وموهبته، فقال لي الأمير: بالطبع، أرسله يا بني. سأوفر له منحة دراسية”.
الكفاح بلا هوادة
أسس العم موسى عنتر مع مجموعة من الطلبة في الجامعة جريدة (مصادر دجلة) التي كانت تمثل جمعية هيفي الثقافية. ونتيجة لذلك، تم اعتقاله وزجّه في السجن. خلال الانقلابات العسكرية، التي كانت تجري في تركيا، كان العم موسى يتعرض دوماً للاعتقال. في نهاية العام 1976 وبعد خروجه من السجن، قرر العودة إلى قريته والبقاء فيها متفرغاً للكتابة في العديد من الصحف والمجلات التي أُسِّست خلال تلك الفترة مثل (ولات، أولكه، أوزكور غوندم).
قبيل اغتياله، تم تأسيس المعهد الكردي في إسطنبول بتاريخ 18 نيسان 1992 من مجموعة من المثقفين الكرد، نذكر منهم (العم موسى عنتر، وفقه حسين سارنج، عبد الرحمن دره، إبراهيم كوربوز، وجمشيد بندر، وياشار كايا، وسليمان إمام أوغلو، بالإضافة إلى عالم الاجتماع التركي وصديق الشعب الكردي إسماعيل بيشكجي)، وقد تم انتخاب العم موسى عنتر رئيساً للمعهد.
الاغتيال الحزين في آمد
لنضاله المستمر من أجل قضية وطنه وشعبه رغم تقدمه في السن (74) عاماً، سعت سلطات دولة الاحتلال التركي إلى التخلص منه بأي طريقة كانت. العم موسى عنتر كان معروفاً بشهامته وسعيه لحل المشاكل والقضايا الاجتماعية العالقة بين العشائر والأسر الكردية في المنطقة، فقد كانت سمعته الحسنة تسبقه، وكان قلبه طيباً في هذا المجال.
استغلت السلطات القمعية التركية هذه النقطة، وكلّفت عملاءها بدعوة العم موسى عنتر للقدوم من إسطنبول إلى آمد من أجل حل مشكلة بين عائلتين. لدى وصول موسى عنتر بالطائرة من إسطنبول إلى مطار آمد، كان هناك سيارة بانتظاره، وفيها شخصان فأخذاه إلى منطقة سيران تبه في آمد، وكان الوقت مساء حيث دخلت السيارة إلى أحد الأزقة، وتوقفت وقالوا للعم موسى أن البناء المقابل هو المكان المقصود. ما أن نزل من السيارة وتوجه إلى البناء، أطلق النار عليه من الخلف فأصابته ثلاث رصاصات فارتقى شهيداً جميلاً مضرجاً بدمائه الزكية. كان ذلك يوم 20 أيلول عام 1992.
إرث موسى عنتر
قضى العم موسى عنتر معظم أوقات حياته في الكفاح والمقاومة من أجل نشر ثقافة المقاومة، والإيمان بالذات بين أبناء شعبه، من خلال نشر الوعي وتوجيه الشباب إلى الدراسة والتعليم. كتب مسرحيته المسمّاة (الجرح الأسود) في العام 1959 خلال فترة تواجده في السجن. كما أنه ألّف كتابه الثاني (القمل) وبعده قاموس كردي ـ تركي مكون من ستة آلاف كلمة في العام 1967.
إلى جانب ذلك ترك لنا كتاب “مذكرات” المكون من جزأين، حيث تم نشر الجزء الأول في العام 1991 بإسطنبول. والجزء الثاني في العام الثاني 1992 أيضاً في إسطنبول. بالإضافة إلى المئات من المقالات والكتابات التي تم نشرها في الكثير من الصحف والمجلات المتنوعة.
الخاتمة
نال العم موسى عنتر مبتغاه في الوصول إلى مرتبة الشهادة من أجل وطنه وشعبه، وهو الذي أكّد أكثر من مرة سواء من خلال زاويته الساخرة TÎR أو عبر مقابلاته ومقالاته الكثيرة على أنه لو كان شاباً لصعد إلى الجبال حاملاً السلاح ومنضماً إلى صفوف المقاومين في حركة حرية كردستان.
والجدير بالذكر، أن اتحاد مثقفي مقاطعة الجزيرة قد افتتح في العام 2019 حديقة بالقرب من مكان التفجير، الذي حدث في الحي الغربي، وتم نصب أربعة تماثيل من أعمال الفنان “ريشان” منها واحد للعم موسى عنتر إلى جانب شيركوه بيكس، جكرخوين، وأوصمان صبري.
No Result
View All Result