تقرير/ فيروشاه أحمد –
دأبت الحكومات التركية المتعاقبة على انتهاك حقوق الإنسان داخل وخارج تركيا بكل غطرسة، فمن سلب الحريات السياسية للأفراد والجماعات؛ إلى تهميش الحقوق الأساسية وكأنهم بشر أقل قيمة من العنصر التركي، وتلجأ إلى انتهاك هذه الحقوق عن طريق الإبادات الجماعية والتعذيب والاغتصاب والتجويع والتهجير والتغيير الديمغرافي.
لو تتبعنا الحكومات التركية المتعاقبة خصوصاً بعد قيام الجمهورية 1923 نجد بأن هذه الحكومات مارست بحق الكرد وغيرهم من الشعوب أبشع أشكال الانتهاكات، التي طالت أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وسبب ذلك يعود إلى فشل هذه الحكومات في تطبيق التزاماتها بتوفير الحقوق الطبيعية والمدنية والسياسية لكل الأفراد؛ لأنها تعمل وفق سياسة الإلغاء والإقصاء السياسي بحق الكرد وكل الشعوب الأخرى.
في السياق ذاته؛ لم تكتف تركيا بانتهاك حرمة المقدسات داخل تركيا، بل تجاوزت غطرستها إلى الشعوب المجاورة سواء في العراق أو سوريا، فالأحداث تؤرخ لنا بأن القوات الطورانية التركية دخلت عشرات المرات في شمال العراق بحجة قتال من تسميهم بالمتمردين الكرد، وها هي اليوم تدخل قواتها شمال سوريا (عفرين 2017) ولم تكتفِ باحتلال هذه المدينة، بل تتهيأ لاجتياح شمال وشرق سوريا بداعي حماية أمنها القومي.
ماهية الانتهاك ومدلولاته

بكل المعايير الأخلاقية والاجتماعية والسياسية يمكن تعريف الانتهاك بأنه خروج عن المألوف، وقد عرفته أغلب المعاجم بأنه انتهاك للمقدسات؛ أي التعدي عليها والخروج عن القوانين والأعراف والآداب، وفي معانٍ أخرى نجد له مدلولات بأشكال ثانية، مثل انتهاك الحرمات والمحرمات أي تناولها بما لا يحل له، أي انتهك حرمة الله ونقض العهد وغرر بالمعاهد، من جانب آخر هو حرمة القانون أي امتهنها، أبتذلها، أساء إليها.
في عفرين؛ حين دخلها الجيش التركي ومرتزقته خرق كل هذه الأعراف وبامتياز وكأنهم في سباق مع الزمن بقتل وسلب وتهجير سكانها، من هنا تبدأ مهمة المجتمع الدولي حيال هذه الممارسات في البلدان التي تتعرض للانتهاكات على يد أنظمتها أو أنظمة دخيلة، فكانت الخطوة الأولى في 2005 حين حدد مجلس الأمن آليات للرصد والإبلاغ عن كل الانتهاكات في العالم، وبحسب هذه المعلومات يتم التنديد بهذه الافعال والتصدي لها، بينما يأتي دور مؤسسات المجتمع المدني المعنية بحفظ حقوق الإنسان وتوثيق الانتهاكات لحماية المواطنين، وترى هذه المؤسسات بأن من حق الأفراد الدفاع عن حقوقها والمطالبة بها. لكن؛ رغم ذلك يتعرضون ويواجهون الضرب والاغتصاب والقتل، لكل هذا تلجأ هذه المؤسسات المدنية بالاعتماد على آليات وأدوات متاحة لها والعمل عليها وفق المنظومة العالمية لحقوق الإنسان.
في سياق آخر؛ جاء الإعلان عن تأسيس مؤسسة تعمل على حماية والدفاع عن العاملين في مجال حقوق الإنسان عام 1998، وقد حصر عملهم برصد وتوثيق حالات حقوق الإنسان على كل المستويات الإقليمية أو المناطقية أو الدولية بعد جمع المعلومات والبيانات وتحليلها ومراقبة تطبيق الحكومات لالتزاماتها الدولية وتقديم العون والمساعدة لضحايا تلك الانتهاكات، ومن ثم التعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية وتشكيل تحالفات إقليمية ووطنية ودولية لتنفيذ هذه المهمات المكلفة بها.
انتهاكات بالجملة
لم تقتصر الانتهاكات التركية بحق الكرد في جانب واحد؛ بل مارست وبكل وحشية كل أشكالها من تقسيم كردستان بعد معركة جالديران 1514وبحسب اتفاقية قصر شيرين 1639 مع الجانب الإيراني، وتجلت أبشعها بعد إعلان الجمهورية التركية عام 1923 حين نكلت بالشيخ سعيد بيران ورجاله إثر ثورته في عام 1925 حين أقدمت على قتل الشيخ سعيد ورفاقه.
بقيت مسألة صهر الكرد في المجتمع التركي خلال العهود الماضية إشكالية تقلق كل الحكومات. لهذا؛ بقي الكرد مهمشين في ظل الإمبراطورية العثمانية وحتى الآن، بينما نجد في ظل الجمهورية 1923 أنهم تعرضوا لأبشع الانتهاكات على يد أتاتورك الذي غدر بهم حين نكص بوعوده المتعلقة بمصيرهم السياسي (لوزان وسيفر). لكن؛ النزعة الطورانية غلبته وأكد على تتريك الكرد بعد أن أطلق عليهم لقب (أتراك الجبال) هذا الانتهاك لشخصية الكرد إنما هو إنكار لتاريخه وثقافته وتذويبه وإنكار كل ما يتعلق به.
ولم يكتفِ بذلك، بل عمد على الغاء الفلكلور الكردي وتدريس الفلكلور التركي في مناطقهم، بالإضافة إلى تهجير عوائل كردية إلى غرب البلاد بغية صهرهم، وقد أعتمد على الإعلام كأحد أهم الوسائل لممارسة هذه الانتهاكات، وفي عام 1980 حين أستلم (كنعان إيفرين) الرئاسة بعد الانقلاب العسكري ولم يتأخر بالعمل الوحشي بانتهاك حقوق الكرد، بداية أعلن عليهم الحرب كي يثنيهم من مطالبهم ويدمجهم في المجتمع التركي، وتم احراق ما لا يقل عن أربعة آلاف قرية في المناطق الكردية، بعيداً عن الانحياز والتطرف يمكن التأكيد على انتهاك هذه الحكومة لكل القواعد والقوانين الطبيعية والإنسانية، بل عمد إلى تتريك الأسماء الكردية واستبدالها بالتركية، وملاحقة واعتقال وقتل الكرد وحل أحزابهم، وتجلت الوحشية الحقيقية حين أنتهك وبكل وضوح وضع الكرد دستورياً عندما همشهم نهائياً.
انتهاكات أردوغان العثمانية






