حمزة حرب_
مع تغير كبير في الميدان الأوكراني والثغرات الروسية الحاصلة على صعيد العمليات العسكرية في الحرب الأوكرانية بعثت بمؤشرات كبيرة مفادها، أن موسكو بدأت تغرق في “المستنقع الأوكراني” الذي حول روسيا تحت قيادة بوتين إلى حليف أقل قيمة للدول الأخرى بعد أن خسر بوتين سمعته كاستراتيجي عسكري ناجح، بسبب الإخفاقات التي يعاني منها الجيش الروسي بوجه القوات الأوكرانية المدعومة من الناتو بشكلٍ كبير.
فإطالة الحرب الأوكرانية، أفقد موسكو قدرتها على إخماد الصراعات بين الدول السوفياتية السابقة المجاورة ووضعها في مواجهة مشكلة كبيرة لجهة تلبية طلبات شراء السلاح نظرا للحاجة المتزايدة لها في الميدان، وتعطل قدرتها على إنتاج الأسلحة المتطورة بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها.
التقدم الأوكراني داخل روسيا قلب الموازين
منذ أن اندلعت الحرب قبل أكثر من 30 شهراً لم تتلقَ موسكو صفعةً أكبر من تلك التي وجهتها كييف من خلال شنها هجوماً مفاجئاً استولت خلاله على أراض من منطقة كورسك، ولا يزال الهجوم الأوكراني مستمرا داخل روسيا، فبدلاً من الحديث عن الإنجازات التي يُحدثها الجيش الروسي داخل أوكرانيا تابعنا مؤخراً أن بوتين يتحدث عن ضرورة “إجبار العدو على الانسحاب من الأراضي الروسية”، وعلى الرغم من نشر التعزيزات في منطقة كورسك، لم يتمكن الجيش الروسي السيطرة على هذا الجزء من روسيا.
ويعدُّ التوغل في كورسك تحدياً واضحاً للسلطات الروسية ولحظة من اللحظات المفصلية في عمر الحرب الروسية الأوكرانية، التي تضاف لقائمة التحولات الدراماتيكية على رأسه ما حصل في عام 2022 عندما أغرقت أوكرانيا السفينة الحربية موسكفا، السفينة الرائدة لأسطول البحر الأسود الروسي.
ومرة أخرى بعد بضعة أشهر من الانسحاب السريع للقوات الروسية من شمال شرق أوكرانيا إلى جانب ما حدث عام 2023 أثناء تمرد فاغنر، عندما كانت المرتزقة المسلحة تزحف نحو موسكو، وهو تحدٍ مباشر لسلطة فلاديمير بوتين لكن كل ذلك تم تجاوزه من السلطات الروسية فهل ستتمكن من تجاوز عقبة كورسك أيضاً؟ يتساءل مراقبون.
فبعد عامين ونصف العام من هذه الحرب، لا توجد أي علامة تذكر على “الأمن والأمان” خصوصاً مع إصرار موسكو على الاستمرار بحربها ضد كييف المدعومة من الغرب، وأيضاً هناك المزيد من دول حلف الناتو على حدود روسيا، بعد أن انضمت السويد وفنلندا إليه، كما أن المدن الروسية تتعرض لهجمات الطائرات بدون طيار الأوكرانية المنتظمة، والآن يستولي الجنود الأوكرانيون على الأراضي الروسية كل هذه عوامل تفيد بأن انهاء الصراع لن يكون بالأمر اليسير حالياً.
حالة من الهيستيرية اجتاحت موسكو، التي وجهت سيلاً من الانتقادات الحادة للغرب بشأن التوغل الأوكراني في الأراضي الروسية، وذلك خلال اجتماع “متوتر” مع كبار مسؤوليه يعكس كيف أربك الهجوم المفاجئ الكرملين، الذي حمل في طياته هدفين رئيسيين أولهما سحب القوات الروسية من خطوط المواجهة في شرق أوكرانيا، وثانيها الاستيلاء على أراض يمكن استخدامها ورقة مساومة في مفاوضات السلام المستقبلية.
وفي نهاية المطاف بات الساسة الروس يؤكدون أن الهجوم الأوكراني بأنه “استفزاز” وأنه سبب من أسباب تأجيل فكرة محادثات السلام، علماً أنه لم يكن الروس يوماً منخرطين في محادثاتٍ جادة للسلام، وكانوا يفاوضون تحت النار لكن على ما يبدو أن هجوم كورسك قلب موازين الميدان وطاولة المفاوضات بحسب متابعين.
أوراق ضغطٍ لفرض السلام
سكان كورسك بينوا إنهم صُدموا من تطور الأحداث، رغم وجود تكهنات منذ فترة طويلة بأن أوكرانيا قد تهاجم لكن هذه هي المرة الأولى، التي تستولي فيها القوات الأوكرانية على موطئ قدم في الأراضي الروسية؛ ما أسفر عن فرار أكثر من 121 ألف شخص من المنطقة الحدودية، وأن السلطات تعمل على إجلاء 59 ألفا آخرين.
وكان التوغل في الأراضي الروسية، بعيدا عن خط المواجهة، وسريا لدرجة أن بعض الجنود الأوكرانيين والمسؤولين الأميركيين، قالوا إنهم لم يكونوا على علم به مسبقا، أما من الناحية العسكرية فيبدو أن روسيا كانت تعيد نشر وحدات من مستوى أدنى إلى منطقة كورسك، وهو ما استغلته كييف بعملياتها المباغتة.







