No Result
View All Result
صبري يوسف_
أديب وتشكيلي سوري
لم أجدْ نفسي حزينًا، متلظِّياً مثلما أراني اليومَ، لكنِّي معَ هذا أجدُني محلِّقاً في فضاءِ الكلمةِ الممراحةِ، مجنّحًا نحوَ أقاصي مروجِ الإبداعِ، نحوَ وهجِ الكلمةِ الخلّاقةِ، وهي ترفرفُ فوقَ أزاهيرِ الرُّوحِ، وحدَها الكلمةُ أنقذَتْني من جنونِ هذا الزّمانِ، انتشلَتْني من فداحةِ القُبْحِ المستشري فوقَ رهافةِ الأرضِ، أبعدَتْني عن طيشِ هذا الزّمانِ المتفاقمِ بشهواتِ الشُّرورِ، حصّنتني الكلمةُ من غباءِ هذا الزَّمانِ المتنامي فوق صدغِ الأرضِ، وحمَتْني من تخريفاتِهِ المشرشرةِ فوقَ وهادِ الأرضِ وأقاصي البحارِ، وخفَّفتْ من ارتصاصِ ضجرِ هذا الزَّمانِ في رقابِ العمرِ، ومن آفاتِ حروبِهِ وصراعاتِه وخياناتِه، ولهيبِ النِّيرانِ المتأجّجةِ في خاصرتِهِ، ومن ازديادِ الدَّمارِ في حنايا المعمورةِ، طهَّرَتْني الكلمةُ من شراهاتِ هذا الزّمانِ المندلقةِ فوقَ دروبِ العمرِ، وحدَها الكلمةُ قادَتْني إلى نضارةِ الرّبيعِ بأزهى بهائِهِ، وإلى مرامي شواطئِ الحبِّ والوئامِ معَ الذَّاتِ ومعَ خصوبةِ الكونِ، وحدَها الكلمةُ زرَعَتْ في قلبي قداسةَ الحرفِ وضياءَ الرُّوحِ على مدى كينونةِ هذا الزّمانِ، وروَتِ اليباسَ المتناثرَ فوقَ خصوبةِ الحلُمِ، وكشفَتْ بكلِّ جلاءٍ قبح هذا الزّمانِ. الكلمةُ بوّابةُ عشقي إلى ترانيمِ السَّماءِ، وأغصانُ الرُّوحِ الوارفةُ فوقَ طينِ الحياةِ، ورسالةُ الخلودِ فوقَ جموحِ الرّوحِ المتربِّعةِ فوقَ مصاطبِ الكونِ! 
وحدَهُ قلمي يُعيدُني إلى حُبِّي العميقِ لذاتي الجريحةِ، يهمسُ في أُذنِ ذاتي الهائمةِ في منعرجاتِ العمرِ همسَاً رهيفاً دافئاً دفءَ القصيدةِ، مخفِّفاً تفاقماتِ الأنينِ، وحدَهُ قلمي يهدهدُ قلبي الطَّافحَ بالأسى، ويجنِّبُني الانزلاقَ في تخومِ القهرِ المفخَّخِ فوقَ واحاتِ العمرِ من أغلبِ الجهاتِ، وحدَهُ قلمي يربُتُ فوقَ دموعي، وهي تنسابُ سخيَّةً فوقَ رحابِ خدَّيَّ، مناغياً ينابيعَ الحلمِ، ومسربِلاً صباحاتي الموشومةَ بأريجِ السَّوسنِ، وحدَهُ قلمي يجابِهُ جبابرةَ الكونِ في عزِّ النّهارِ، فأراهم صغاراً أمامَ انبلاجِ حرفي في أصفى حالاتِ النّهارِ، وحدَهُ قلمي لا يخشى شراهاتِ الحروبِ، ولا يأبهُ أبدًا بجنونِ الصَّولجانِ المتأجِّج فوقَ زهوةِ العمرِ، ولا بمجابهاتِ لهيبِ الكونِ، وحدَهُ حرفي يتحدّى غطرساتِ الصِّراعاتِ وكلَّ دروبِ العنفِ، غيرَ عابئٍ إلَّا بلغةِ القَرنْفُلِ وأريجِ الاخضرارِ المكتَنِزِ في تويجاتِ الحنينِ، وحدَهُ حرفي يجنحُ نحوَ هِلالاتِ السَّلامِ والمحبّةِ والفرحِ رَغمَ أنفِ الأحزانِ الّتي تطوِّقني من أغلبِ المناحي.
لم أجدْ نفسي حزينًا مثلما أجدُها اليومَ، لكنِّي معَ هذا أشقُّ طريقي نحوَ ضياءِ القمرِ، نحوَ ظلالِ الفراديسِ، نحوَ أهازيجِ الحرفِ، نحوَ بَخورِ الكنائسِ القديمةِ، نحوَ شهقةِ الشَّمسِ في أوجِ سطوعِها، نحوَ بسمةِ طفلٍ يهدهدُ روحي، نحوَ عاشقةٍ معبَّقةٍ بحنينِ العناقِ، نحوَ صديقٍ من نكهةِ المطرِ، نحوَ صديقةٍ من أزهى بهاءِ الشِّعرِ، نحوَ نسيمِ الصَّباحِ المندَّى بحنينِ الغاباتِ، نحوَ تجلِّياتِ طاغورَ في أوجِ تأمُّلاتِهِ، فأزدادُ توغُّلاً في أصفى مرامي الشِّعرِ، وأراني سابحاً في أعماقِ حكمتِهِ. تُغريني تأمُّلاتُهُ المخضَّبةُ بصفاءِ الطّبيعةِ وزرقةِ السَّماءِ، طاغورُ حكايةُ عشقٍ لجمالِ الكونِ وسموِّ الرُّوحِ نحوَ رحابِ الأعالي، كلمةُ حبٍّ منقوشةٌ فوقَ أجنحةِ اليمامِ، رسالةُ فرحٍ مدموغةٌ بنسائمِ الصَّباحِ، طاغورُ شاعرُ الخصوبةِ المستنْبَتَةِ من حنينِ الرُّوحِ وهداهدِ القلبِ، شهقةُ ابتهالٍ مضمّخةٌ بأنقى شموخِ الاخضرارِ!
وحدَهُ قلمي يضربُ أحزاني عرضَ الحائطِ، ولا يبالي إلَّا بأنقى ما في شهوةِ الحرفِ، وحدَهُ قلمي يحرقُ ميراثَ الدُّنيا المغشوشَ، بحثًا عن شهقةِ الخيرِ والعطاءِ المنيرِ، وحدَهُ قلمي يستعيدُ مقامي إلى أعلى مرتفعاتِ جبلِ جودي، ويفرشُ حنيني على مساحاتِ سهولِ القمحِ الممتدَّةِ على مدِّ البصرِ، وحدَهُ قلمي صديقُ الفنِّ والشِّعرِ والأدباءِ وأزهى الأديباتِ، وحدَهُ قلمي يطمسُ غطرسات القُبْحِ، ويكبحُ مراراتِ السِّنينَ، ويخلخلُ طغيانَ هذا الزّمانِ على فقراءِ العالمِ، ويؤنسُ ليلتي ويبهجُ روحي. وحدَهُ قلمي يجابهُ مَن يقفُ في وجهي، ويمحقُ كآبتي وأنيني ويمنحُني بهجةَ الارتقاءِ، ويعانقُ عاشقةً تكتبُ حرفاً من عذوبةِ الماءِ، مرفرفاً فوقَ أجنحةِ الخيرِ، ومناغياً هديلَ اليمامِ ومُغدقاً أبهى الكلامِ فوقَ أجنحةِ السَّلامِ.
وحدَهُ قلمي يشمخُ عاليًا، مجابهًا ترَبُّصاتِ الغولِ، ويرفعُ رايتهُ عالياً ويموجُ ألقًا فوقَ جبالِ العطاءِ والبهاءِ وقداسةِ القداساتِ، وحدَهُ قلمي يهدهدُ قلوبَ الأصدقاءِ، ويحنُّ إلى إبداعِ الصَّديقاتِ، ويفرشُ تساؤلاتِهِ فوقَ قلوبِ مبدعينَ ومبدعاتٍ من نكهةِ لآلاء النُّجومِ.
وحدَهُ قلمي يموجُ شوقًا إلى زخّاتِ المطرِ، ويرفرفُ عاليًا بينَ أسرابِ الطُّيورِ، مدندناً أهازيجَ العشقِ على أنغامِ ترانيمِ العيدِ. وحدَهُ قلمي صديقُ العصافيرِ وتغاريدِ البلابلِ، ممهورٌ بعبقِ الأزاهيرِ والعسلِ البرّي، لا يحيدُ عن درْبِ الوفاءِ، ولا يخشى سيوفَ الكونِ. وحدَهُ قلمي يلخِّصُ العمرَ بجرَّةِ حرفٍ منبعثٍ توهُّجاتُهِ من حليبِ أمِّي، ويحنُّ إلى شروالِ والدي وهو يعبرُ البراري ويحمي حقولَ القمحِ من أبقارِ الغجرِ. وحدَهُ قلمي يستذكرُ فقراءَ هذا العالمِ، ويكتبُ شعرًا وحبًّا لمجانينِ هذا العالم. وحدَهُ قلمي يستذكرَ “درو دينو” هذا الكائن المفجوعُ، الّذي ظلَّ في ذاكرتي وأنا في أعماقِ غـربتي، هـل وجدتُم في تاريخِكـم مـغتربًا واحـدًا تذكّرَ “درو دينو” وكتبَ نصًّا طازجاً عنهُ وكأنَّهُ أخي من لحمي ودمي؟!
المشاعرُ يا أحبّائي هي إخوتي وأخواتي، المشاعرُ الطَّافحةُ بانسيابِ دمعاتِ الحنينِ، هي مزاميرُ بوحي وأشهى ما في ابتهالاتِ الرُّوحِ، المشاعرُ هي رحيقُ الحرفِ ومنارةُ تجلِّياتِ دقّاتِ القلبِ، والإنسانُ المسكونُ على وجهِ الدُّنيا هو أخي المنبعثُ من عرينِ الخيرِ، وأنا شاعرٌ مُرَهبنٌ للحرْفِ والإبداعِ والحلمِ والعشقِ وأجنحةِ اليمامِ. حلمي مفتوحٌ على مساحاتِ الدُّنيا، حلمي حرفٌ مجنّحٌ نحوَ هِلالاتِ السَّماءِ وأشهى مرامي الخيرِ وبهاءِ الجمالِ، حلمي لغزٌ عميقُ الغورِ في دنيا متشابكةٍ معَ مماحكاتِ انبعاثِ السُّؤالِ، حلمي من لونِ النّدى المتعانقِ معَ خدودِ الأطفالِ، عشقٌ مفتوحٌ بين أحضانِ الفرحِ رَغمَ أنفِ الحزنِ المترامي فوقَ خميلةِ الصَّباحِ، حلمي يبدِّدُ أحزاني المترصرصةَ فوقَ كاهلي منذُ أنْ عبرْتُ ضياءَ الحياةِ، حلمي يحرقُ بكلِّ سلاسةٍ آهاتِ عمري الحزينةَ، حلمي عشقٌ مفتوحٌ على مصراعيهِ، شوقاً إلى خمائِلِ النَّعيمِ، يجمحُ بشغفٍ عميقٍ نحوَ آفاقِ الخيرِ عبرَ حرفي المتناثرِ فوقَ وجنةِ الحياةِ، حلمي قصيدةُ عشقٍ منسوجةٌ من مآقي السَّماءِ، حلمي حكايةُ شاعرٍ مندلقٍ من تواشيحِ الغمامِ!
أعشقُ أن أسلِّطَ حرفي على ما يراودُني من بهجاتِ العطاءِ في حكمةِ الحياةِ، حلمي يتلألأُ مثلَ تجلِّياتِ طاغورَ؛ شاعرِ الهندِ الأوّل، شاعرِ الحكمةِ وانبعاثِ التَّأمُّلِ على إيقاعِ بهاءِ الحياةِ. يا شهيقَ الشِّعرِ الشّامخِ فوقَ مهجةِ الأحلامِ، يا حبورَ القصيدةِ المسروجةِ على ضياءِ المحبّةِ والفرحِ واخضرارِ أغصانِ الرّوحِ، يا روحًا خلّاقةً على امتدادِ الأزمانِ، يا إشراقةَ بوحٍ من أزهى إشراقاتِ مزاميرِ الحياةِ، يا وهجَ الكلمةِ المعبّقةِ بابتهالاتِ السُّموِّ وتجلِّياتِ الحلمِ المنسابِ فوقَ مروجِ القلبِ. ينمو في فضاءاتِ بوحِكَ اخضرارُ الصّباحِ، وفي ظلالِ شعرِكَ تغفو أبهى الفراشاتِ. ينضحُ شعرُكَ بحبقِ الأزاهيرِ كأنَّهُ رسالةُ عشقٍ متناثرةٌ فوقَ خدودِ الدُّنيا. يتهاطلُ شعرُكُ أريجًا فوّاحًا فوقَ روابي الأرضِ، كأنّهُ نعمةٌ متهاطلةٌ علينا من قبابِ الحنينِ، من هِلالاتِ حبورِ النّعيمِ. رؤاكَ يا طاغور متدفِّقةٌ من ألقِ الأعالي، من صفاءِ زرقةِ السّماءِ، من لونِ حليبِ السّنابلِ الممهورةِ بأسرارِ اللَّيلِ.
يا صديقيَ المنسابَ في أشهى مزاميرِ بوحِ الرُّوحِ، يا إشراقةَ عشقٍ مجدولةً في أبهى اخضرارِ الكونِ. يا لونَ القصيدةِ المعبّقةِ برفرفاتِ أجنحةِ الحمامِ، يا هديلَ الحمائمِ المحلِّقةِ فوقَ بهاءِ الأعالي، يا نسيمَ الصّباحِ المصفّى بحنينِ الحياةِ، يا حرفًا منقوشًا فوقَ خدودِ اللَّيلِ كوميضِ فرحٍ يفتحُ كُوَّةَ أملٍ في عتمةِ المساءِ على انبعاثِ هبوبِ النَّسيمِ، يا شاعرًا مندَّى بأهازيجِ الوئامِ، يا غيمةً حُبلى بينابيعِ خيرٍ، تزدادُ هطولًا فوقَ جراحِ الفصولِ، يا جنَّةَ أفكارٍ معشوشبةً بأرقى الأشعارِ.
كم من التَّأمُّلِ حتَّى تبرعمَتْ في رحابِ دنياكَ أصفىَ ابتهالاتِ بوحِ القصائد!
طاغورُ رسالةُ حبٍّ إلى ربوعِ الدُّنيا، حرفٌ شامخٌ في أرضٍ مغروسةٍ ببذورٍ مخصَّبةٍ بأقانيمِ الفرحِ والحكمةِ، حالةُ انبعاثٍ من حرفٍ مصفّى من رحيقِ الحياةِ، طائرٌ مفروشُ الجناحينِ يحلِّق فوقَ شموخِ الجبالِ، قصيدةُ حبٍّ مخضَّلةٌ بمذاقِ بهجةِ الحياةِ، شِعرُكَ ينشرُ صفاءَ الرُّوحِ فوقَ هضابِ الكونِ، محبوكٌ من مآقي حنينِ الرّوحِ المستنبَتَةِ من انبعاثِ هِلالاتِ السّماءِ. مرارًا زرعْتَ البسمةَ فوقَ أخاديدِ الحياةِ عبرَ أرقى تجلّياتِ القصائد، تُشبِهُ حلمًا مجنّحًا على مساحاتِ حنينِ الغاباتِ في أوجِ شموخِها، نبعَتْ من خيالِكَ حِكمٌ ناصعةٌ فوقَ خمائِلِ الدُّنيا. شِعرُكَ ينبوعٌ صافٍ من الماءِ الزُّلالِ، ينسابُ في أعماقِ الصَّحارى والبوادي، تسقي أشعارُكَ قلوبًا عطشى إلى دروبِ المحبَّةِ، ينقشُ حرفُكَ هدهداتِ الحنينِ فوقَ شموخِ الرّوحِ، وهي تحلِّقُ عاليًا نحوَ أصفى مرامي الغمامِ، انبلجَ حرفُكَ من رحابِ تجلِّياتِ عقلٍ خلَّاقٍ، مجنَّحٍ نحوَ أنقى تجلِّياتِ حكمةِ الحِكَمِ في زمنٍ محفوفٍ بلهيبِ الاشتعالِ!
يا صديقَ الطّبيعةِ وصفاءَ البحارِ، يا صديقَ النّسيمِ المنسابِ في صباحاتِ الرَّبيعِ، يا غيمةً حُبلى بالخيرِ، تتهاطلُ فرحًا وفيرًا فوقَ خدودِ الدُّنيا، يا حاملَ أجنحةِ الحكمةِ من أسمى سموِّها، محلِّقًا فوقَ أمواجِ البحارِ، شوقًا إلى أرضٍ عطشى لتجلّياتِ وهجِ الاشتعالِ، يا حكايةَ حبٍّ طافحٍ بأنضرِ أبجدياتِ العطاءِ، رؤاكَ محبوكةٌ من حبورِ المحبّةِ والعطاءِ الخَّلاقِ، مبرعمةٌ من خدودِ السَّنابلِ في أزهى اخضرارِها، ومن وهجِ الخيرِ وأبهى ابتهالاتِ الوئامِ وأنقى هِلالاتِ السَّلامِ!
أيُّها المطرُ الهتونُ، أيَّتُها الغيومُ المباركةُ، بلِّلي روحَ طاغور بأنقى ما في سموِّ السِّماءِ!
No Result
View All Result