No Result
View All Result
روناهي/ حمزة حرب ـ
لا شك أن الحرب بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة، شكلت منعطفاً هاماً وكبيراً في المنطقة، وفتحت الأبواب على مصراعيها لقراءة معطيات المرحلة الحالية، وإعادة النظر لما يحمله طرفا الصراع في جعبتهما من محطاتٍ تاريخية تنعكس بشكل مباشر على واقع تعاطيهما مع المتغيرات على الأرض، خصوصاً مع تصدر حركة حماس المشهد القائم اليوم.
من هي حماس؟ وكيف تشكلت؟ وعلى أي المبادئ قامت؟ وما أبرز المحطات، التي مرت بها في تاريخها؟ هذه الأسئلة لربما تفسر آلية تعاطيها مع ملف قطاع غزة، وحرب السابع من أكتوبر، التي غيرت المعطيات الميدانية والسياسية على الأرض.
حماس التأسيس والإعلان عنها
حماس مشروع طُرِح أواخر السبعينات من القرن العشرين، واستمر التحضير له عشر سنوات، وفي العاشر من كانون الأول 1987 اجتمعت قيادات حماس، في منزل أحمد ياسين، بقطاع غزة، وكانت المشاركة من جملة من المؤسسين على رأسهم أحمد ياسين، أول مؤسسي الحركة، إلى جانب عبد العزيز الرنتيسي، وعبد الفتاح دخان، ومحمد شمعة، وإبراهيم اليازوري، وصلاح شحادة، وعيسى النشار، وتم الإجماع على إطلاق مسار يتمثل بالعمل المسلح ضد إسرائيل، والتوافق على اسم الحركة المفصل “حركة المقاومة الإسلامية” واختصارها “حماس”.
خلال هذا الاجتماع بمنزل ياسين مؤسس حماس، تمت صياغة البيان الأول، وأسندت مهمة طباعته ونشره وتعميمه للجهاز الأمني للحركة، الذي كان يسمى مجد بقيادة يحيى السنوار، وأصدرت حركة حماس ميثاقها الأول عام 1988، وشكلت أول مجلس شورى لها في آب 1991 وتبنت فكر وأيدولوجية الإخوان المسلمين كتنظيمٍ عالمي، ومن هذا المنطلق نجد أن حماس منذ تأسيسها كان ولاؤها للتنظيم، أكثر من ولائها للقضية الفلسطينية الشعبية العادلة في حق تقرير المصير.
للحركة جناح عسكريٌّ، يُطلق عليه اسم “المجاهدون الفلسطينيون” بقيادة صلاح شحادة، عام 1986 وذلك قبل انطلاقها بشكل رسمي، وتمكن من تنفيذ بعض الهجمات المسلحة، منها زرع العبوات الناسفة وإطلاق النار على دوريات إسرائيلية هنا وهناك، وبعد الإعلان عن الحركة بشكلٍ رسمي تحت اسم “حماس”، أصبح تنظيم “المجاهدون الفلسطينيون” يحمل اسم كتائب “عز الدين القسام “، وذلك أواسط العام 1992، وبقي صلاح شحادة على رأسه لحين اغتياله من إسرائيل، فخلفه في المنصب محمد الضيف، إلى جانب يحيى السنوار، الذي تولى مهام قيادة حماس خلفاً لهنية الذي اغتيل في طهران مؤخراً.
وبعد التأسيس أصبحت حركة حماس من أبرز حركات المقاومة الفلسطينية، إذ لم تكن بعيدة عن التنافس العربي منذ بدايتها، فقد حظيت بقبول خليجي واضح، وافتتحت مكتبا لها في السعودية عام 1988 لكن تأزم العلاقات السعودية السورية منذ عام 2005، إضافة لأزمة الانقسام الفلسطيني عام 2007، شكلت عوامل أثرت سلبا على العلاقات السعودية مع حماس.

ولم تشهد هذه العلاقة تحسنا واضحا إلا بعد الأزمة السورية عام 2011، إذ حدثت القطيعة بين حماس وحكومة دمشق، وتم على إثرها إغلاق مكاتب حماس السياسية في دمشق، وانتقالها إلى الخليج وتحديدا إلى قطر، التي وجدت نفسها تنعم برخاء الأيدولوجية الإخوانية التي تهيمن عليها.
الولايات المتحدة الأميركية وضعت حماس على قائمتها للإرهاب، معتبرة ما تقوم به داخل فلسطين ضد إسرائيل عملا مجَرّما، ومن ثم أعطت بهذه القائمة الضوء الأخضر لرئيس الحكومة الإسرائيلي السابق “أرييل شارون” للتخلص منها بوسائله الخاصة،
ومنها الاغتيال والتصفية الجسدية المباشرة لقادتها وكوادرها.
حجر عثرة وأداة شق الصف
تبني حماس إيدولوجيةً إخوانية بامتياز طغى على الانتماء الفلسطيني، ذلك سبب حالة من الشرخ لأنها تنصاع لإملاءات بعض الدول الإقليمية والدولية، على حساب التوافقات الداخلية الفلسطينية، فظهرت الخلافات بين منظمة التحرير وحماس بحدة، في أيلول 1988، عقب دعوة حماس المواطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى تنفيذ إضراب عام في موعد مغاير للموعد الذي حددته القيادة الوطنية الموحدة.
ورداً على ذلك، أصدرت القيادة الوطنية بياناً، تضمن إدانة واضحة لتوجيهات حماس، ووصف الدعوة إلى الإضراب أنها خطوة تخدم العدو، وتساعد في شق الصف الفلسطيني، وأدان البيان أيضاً أنصار حماس لمحاولتهم تنظيم إضراب تجاري لفرض سلطتهم على السكان من خلال التهديد باستخدام القوة.
وأدت محاولات حماس، التي كانت الأولى من نوعها، وامتدت إلى ساحات خارج معقلها التقليدي في قطاع غزة، إلى انفجار بعض الصدامات بين مؤيديها من جهة، وأنصار منظمة التحرير من جهة أخرى، وفي خضم هذه المواجهة أعلنت حماس برنامج عملها في ميثاق من عشر صفحات.
تناول الميثاق العديد من القضايا، بما في ذلك أهداف الحركة، وعلاقتها بمنظمة التحرير، وقد حدّد الميثاق هوية حماس بأنها “فرع من التيار الرئيسي للإخوان المسلمين الذي أُنشئ في مصر خلال عقد العشرينات”، وعارض الميثاق بشدة أية محاولة من منظمة التحرير لإقامة حكومة موقتة، أو حتى المشاركة في مؤتمر للسلام، حيث إن الحل الوحيد للمشكلة الفلسطينية هو الجهاد حسب حماس، وكل المؤتمرات والمبادرات والمقترحات ما هي إلا مضيعة للوقت وعمل لا طائل له.

انطلاقاً من هذه المواقف، أعلنت حماس رفضها لحل الدولتين، ما ولد خلافات تراكمت بين المنظمة وحماس، وتحولت في أيلول 1990، إلى عنف بين الطرفين، وخصوصاً في قطاع غزة وطولكرم، وسعت حماس، للفوز بأكبر عدد ممكن من المقاعد في الانتخابات التي أُجريت على امتداد سنة 1991، وشملت الغرف التجارية في عدد من المدن الفلسطينية، إضافة إلى الجامعات، والنقابات المهنية والشعبية، بيد أن التسابق على النفوذ بين الطرفين لم يؤدِ إلى توقف المساعي لحل الخلافات بينهما، بما في ذلك مسألة مشاركة حماس وتمثيلها في البرلمان الفلسطيني.
في السياق علق السياسي المستقل، مسلم أحمد، لصحيفتنا فقال: “حماس منذ التأسيس حملت أيدولوجية الإخوان المسلمين، وإلى يومنا الحاضر هي تسير وفق هذا النهج، وغير آبهة بما يعانيه الفلسطينيون على الأرض، ولا ننسى أن حماس أحدثت شرخاً في صفوف الفلسطينيين، الذين لا زالوا يدفعون ثمن التشظي والانقسام إلى يومنا الحاضر”.
وأشار: “ظلت حماس ترفع سقف مطالبها الضيقة، لأن شروطها التعجيزية في سياق المصالحة الوطنية بعيدة عن المنطق وغير واقعية، وهو ما أسفر الاقتتال بين حماس وفتح مجدداً”.
وفي إطار “لعبة المرايا”، كشفت مصادر حماس، أن اجتماعات الخرطوم شهدت خلافات حادة بين وفدي الحركتين، ولا سيما في شأن صياغة البيان الختامي، إذ أصرت فتح على أن يتضمن البيان التشديد على أن منظمة التحرير الفلسطينية، هي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، بينما رأى وفد حماس أن الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية يعني من وجهة نظره، أن حماس توافق من حيث المبدأ على مفاوضات السلام؛ لذا اقترح صيغة توافقية بديلة، نصت على اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية إطاراً يجمع الفصائل الفلسطينية المنضوية تحت رايتها، إلا إن هذا الطرح “التوافقي” لم تقبله فتح، فظل الخلاف قائماً يدور في الحلقة المفرغة نفسها إلى يومنا الحاضر، وما مساعي المصالحة إلا تكرار لتجارب الماضي، التي أفشلتها حماس مراراً وتكراراً.
حماس مسؤولة عن الأحداث الجارية
الموت والدمار والتشريد، ذلك كله سببته الحركة منذ بداية الحرب في غزة منذ السابع من تشرين الأول المنصرم، ويحمل الغالبية العظمى من الفلسطينيين في ذلك حماس، ومن ثم إسرائيل المسؤولية عنه، ومع ذلك فإن العديد من سكان القطاع يقولون إن حماس مسؤولة عن المعاناة، وذلك وفقاً لاستطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، وهو مركز أبحاث مقره رام الله، بينما تقول أوساط بحثية، إن هناك معيارين للقياس فيما يتعلق بشعبية حماس، الأول أن المتضررين من الأزمة بصورة مباشرة وهم سكان غزة، ومع تعمق الأزمة الإنسانية بدأ هؤلاء تجريم حماس وإلقاء اللوم عليها، بأنها تقف خلف الدمار الذي جرى، باعتبار أن الرد على هجوم السابع من تشرين الأول، كان متوقعا له أن يكون بهذه الشدة.
أما المعيار الثاني فيتمثل في أن حماس تسعى لأن تكون الممثل الوحيد للفلسطينيين، عبر استثمار ورقة الرهائن لإخراج أكبر عدد ممكن من المعتقلين في السجون الإسرائيلية، بغض النظر عما إذا كانوا ينتمون للحركة أم لا، فمن الواضح أن هذه الاستراتيجية التي تتبعها حماس تهدف للبقاء في المشهد الفلسطيني، وتكون هي الممثل الوحيد على الساحة بعيداً عما يعانيه الفلسطينيون.
وبالعودة إلى الخلاف القديم الجديد بين حماس وفتح، التي شددت في بيانها على أن حماس تقدم لإسرائيل التنازلات تلو التنازلات خلال المفاوضات، بهدف ضمان الأمن الشخصي لقيادتها المنفصلين تماماً عن الواقع، ولا يحق لها إملاء الأولويات الوطنية، لأنهم لم يشعروا حتى هذه اللحظة بحجم الكارثة، التي يعيشها أهالي قطاع غزة وباقي الأراضي الفلسطينية.
وعلق أحمد على ذلك بقوله: “حماس تريد أن تهيمن على إرادة الفلسطينيين خدمةً لمصالحها، وفي الحقيقة هي أداة إيرانية وخنجر في خاصرة القضية الفلسطينية، وتعادي العرب، وهجومها أدى لدمار قطاع غزة، وضياع القضية الفلسطينية، العالم اليوم يتعاطف مع الفلسطينيين المدنيين، لكنهم يدركون أن حماس ارتكبت خطأ كبيراً بحق الفلسطينيين وبحق المنطقة”.
وأكد: “إيران يبدوا أنها تورطت بهذه العملية، لكن إسرائيل تحاول جر إيران للدخول بحرب واسعة، لأن إيران سقطت ورقتها دولياً، والمرحلة القادمة هي لتعويم إسرائيل، ولم يعد المجتمع الدولي بحاجة إيران في المنطقة، والمجتمع الدولي حاولوا توريط الإيرانيين، كما ورطوا روسيا بحرب أوكرانيا، وكانت البوابة حماس التي زجت نفسها والمنطقة في هذه الحرب”.
وبناءً عليه، لا تزال حماس تراوغ داخل نفقٍ مظلم، وتستغل الواقعين الميداني الداخلي، والإقليمي للحفاظ على بقائها في السلطة لحكم قطاع غزة، بينما يبقى الجرح الفلسطيني نازفاً دون أي حلول، والقضية الفلسطينية حبيسة تعنت إسرائيل وحماس، كلٌ منهما يبحث عن السطوة والهيمنة، وتبقى القرارات الدولية بإنهاء المعاناة الفلسطينية على أساس حل الدولتين على حدود 1967 حبراً على ورق، بانتظار من يحرك المياه الراكدة، وإنصاف حق الشعوب في تقرير مصيرها، والعيش بسلام على أرضها بعيداً عن المصالح الضيقة والحسابات الخارجية.
No Result
View All Result