صبري يوسف (أديب وتشكيلي سوري)_
يكتُبُ القس جوزيف إيليّا الشِّعرَ في شَتَّى مَجالاتِ الحياة. الكتابةُ عندَهُ حالةٌ انبعاثيّةٌ فيّاضةٌ، تنبعثُ مِمَّا تتراءَى لَهُ مِنْ أحداثِ الواقعِ أو ما تُدغدغُ الذَّاكرةَ مِنْ حالاتٍ إشراقيّةٍ، أو ما تُداعبُ الخيالَ مِنْ تجلِّياتِ البوحِ. تندمجُ فضاءَاتُ هذهِ الحَالاتِ مَعَ بعضِها بَتنوُّعاتِها وتماهياتِها، وتولدُ القصيدةُ مُجنَّحةً برهافةٍ عاليةٍ نحوَ أبهى فضاءَاتِ الخيالِ.
يمتلكُ الشَّاعرُ خَيالاً سَيَّالاً، مَفتوحاً على الكثيرِ مِنْ مَواضيعِ الحَياةِ، لا يجدُ حَرجَاً في كتابةِ قصيدةٍ عَنْ أيِّ مَوضوعٍ يُحرِّضُهُ على الكتابةِ، ويكونُ لَهُ مَغزىً مُناسِباً لبناءِ قصيدةٍ مِنْ آفاقِ رؤاهُ. وما يكتبُهُ ينبعُ مِنْ أعماقِ مَشاعرِهُ وأحاسيسِهِ، لا يكتبُ شِعراً لا ينسجمُ مَعَ تطلُّعاتِهِ وأفكارِهِ، فهو شاعرٌ مُتطابقٌ مَعَ جموحاتِ شِعرِهِ.
يتميَّزُ فضاؤهُ الشِّعريُّ بالانسيابيّةِ والتَّدفُّقِ والتَّجدُّدِ في بنائِهِ الفنِّيِّ، مُبتكراً صُوراً بديعةً غيرَ مَطروقةٍ في بوحِ الشِّعرِ، وقَدْ تمكَّنَ مِنَ الوُصولِ إلى هذهِ المِساحةِ الشَّاهقةِ في البوحِ الشِّعريِّ مِنْ خِلالِ مُطالعاتِهِ الغزيرةِ وقدراتِهِ الفسيحةِ في تنميةِ اللُّغةِ الشِّعريّةِ المكتنفةِ بأبهى انبعاثاتِ صُورِهِ، المَمْهورةٍ بترمزياتٍ خلّاقةٍ.
وفي قصيدةِ “لمْ تنلْ ما لَهُ سعيتَ” يريدُ الشَّاعرُ أنْ يعبِّرَ عَنِ الكثيرِ مِنَ الأفكارِ الَّتي راودَتْهُ رُبَّما طويلاً، فجاءَتْ هذهِ الأفكارُ في سياقِ بوحِهِ الشِّعريِّ، مُخاطباً الآخرَ، القارئَ، المَرءَ، بنوعٍ مِنَ الحِكمةِ، ومِنَ النُّصْحِ المُحتبِكِ بالحَذرِ والحيطةِ قَبلَ القدومِ على أيِّ عملٍ، مُنبِّهاً إلى مضمونِ ما جاءَ في القصيدةِ، لا تكُنْ مُتسرِّعاً وأنتَ تقدُمُ إلى عَملٍ ما، أو مَشروعٍ ما، أو مَوقفٍ ما، أو ردٍّ ما. تحلَّى بالصَّبرِ، والحكمةِ، والهُدوءِ، الحياةُ لا تقتضي المناكفاتِ والصِّراعاتِ، فلا تَكُنْ مُشاكِساً في دُرُوبِ العُمرِ، عَبرَ المَواقفِ الّتي تصادفُكَ. كُنْ هادئاً، ودقيقاً في مَرامي خُطاكَ، خفِّفِ الوطءَ أثناءَ العُبورِ في حيثياتِ الحياةِ، كي تكونَ في أوجِ قيافتِكِ، وبهائِكِ، وفي أرقى ما تعبِّرُ عنَهُ رؤاكَ. كُنْ صَبوراً، حَليماً، كي تنالَ ما ترمي إليهِ على أكملِ وجهٍ، وكأنَّكَ في حالةِ اختبارٍ مَعَ الذَّاتِ، فلَنْ تلقى ما يُبهجُ القلبَ إنْ كُنْتَ سائراً على هامِشِ مَساراتِ العبورِ. لا تبقَ مكتوفَ الأيدي، انهضْ بكلِّ ما لديكَ مِنْ عُنفوانٍ، لا تَهَبْ ولا تقلقْ مِمَّا يُصادِفُكَ مِنْ قلاقلَ أو صعوباتٍ، انهضْ ووجِّهِ الأنظارَ بكلِّ هدوءٍ نحوَ ما تضمرُهُ في أعماقِكَ كي تصلَ بكلِّ عزمٍ إلى مرافئِ الأمانِ والوئامِ على أنغامِ أهازيجِ مُهجةِ الحرفِ. واعلمْ أنَّ الوصولَ إلى أرقى الأهدافِ، يتطلَّبُ الهدوءَ والسَّكينةَ والإمعانَ في جوهرِ الطُّموحاتِ الَّتي نسعى إلى تحقيقِها، كي نحقِّقَها بكلِّ سلاسةٍ وبراعةٍ مِنْ دونِ أيَّةِ مُعيقاتٍ.
لا بدَّ مِنْ أنْ تنالَ ما ترمي إليهِ عاجلاً أم آجلاً، فلا يُمكنُ أنْ تفقدَ ما تسعى إليه، طالما تسيرُ الوجهةَ الصَّحيحةَ، واضعاً في الاعتبارِ تحقيقَ الأهدافِ حتَّى ولو كانَتْ بعيدةَ المَنالِ! ..
لا يقلقُكَ ما يُحاكُ ضدَّكَ في عَتمِ اللَّيلِ ولا في أوجِ الضِّياءِ، تفتحُ جَناحيكَ مُحلِّقَاً عالياً، وأنتَ تشدو أبهجَ أنغامِ العَطاءِ في فضاءِ الحرفِ وابتهالِ جُموحِ الخيالِ، مُتمتِّعاً بوهجِ الإشراقِ، ترقُصُ على أنغامِ الفرحِ ومآلاتِ النَّجاحِ. تُحلِّقُ عالياً بحثاً عَنِ الأجدى والأبهى.
ضعْ في الاعتبارِ أنَّ الدُّروبَ الَّتي نسيرُ عليها مَلأى بالتِّيهِ والضِّياعِ. انتظرْ طويلاً، وكُنْ هادئاً حتَّى لو مرَرْتَ في أحلَكِ الظُّروفِ. لا تكُنْ تائهاً في خِضمِّ السَّيرِ نحوَ تحقيقِ أعلى طُموحٍ، ولا تتسرّعْ في خُطاكَ نحوَ مراميكَ. لا تستطيعُ الوصولَ إلى أهدافِكِ المَنشودةِ، ما لَمْ تكُنْ يقِظاً وحذراً وتُعطي لنفسِكَ المِساحةَ المُتاحةَ لتحقيقِ الذَّاتِ. أُنظُرْ إلى الأمامِ، ولا تفكِّرْ بما مَضى، فكِّرْ بكلِّ عزيمةٍ بِما هو آتٍ، وعِشْ حياتَكَ بكلِّ هُدوءٍ، واسْعَ نحوَ مُبتغاكَ بكلِّ حزمٍ وصبرٍ وهدوءٍ. مَنْ يدري ما يُخبِّئهُ لكَ المستقبلُ مِنْ عطاءَاتٍ، وما يمكنُ أنْ تحصلَ عليه مِنْ نجاحاتٍ كَما كُنْتَ تشتهي وتتمنَّى؟!
وفيما يلي قصيدةُ الشَّاعر جوزيف ايليّا:
“لَمْ تنلْ ما لَهُ سعيتَ”
لَمْ تنَلْ ما لَهُ سعيْتَ طويلًا
آهِ كمْ غُصْتَ ضائعًا في مَهوى
ولكَمْ عُشْتَ في انتظارِ حياةٍ
كلُّ جُحْرٍ فيها تراهُ بَهْوا
يدُها تُعطيكَ الّذي كنْتَ ترجو
لتسيرَ الطّريقَ فخرًا وزَهْوا
لا ترى ما تخافُهُ وتُغنّي
وتُقضّي السَّاعاتِ رقْصًا وطَهْوا
فتناءَتْ وأقفرَتْ وأزالتْ عنكَ
في قسوةٍ سرورًا ولَهْوا
أيُّها التَّائهُ الشَّقيُّ تمهَّلْ
لن ترى ما تُحبُّ إنْ عِشْتَ سَهْوا
قُمْ عشِ الدَّهرَ لا تكُنْ في اضطرابٍ
ساعيًا خُضْ في السَّيْرِ بحرًا رهْوا*
ربّما الأيّامُ الّتي سوفَ تأتي
لكَ تعطي الّذي لَهُ كُنْتَ تهوى”.
* رهوًا: ساكنًا هادئًا
[من كتابي الموسوم: حداثوية الشِّعر الموزون، الشّاعر القس جوزيف إيليّا أنموذجاً].