No Result
View All Result
علي جعفر العلاق (شاعر عراقي)_
لا أظن أن هناك شاعراً قرأه خصومه ومحبوه على السواء كنزار قبانيّ. ولست أظنّ أن شعرنا العربي سيشهد، مرةً

أخرى، شاعراً يجسد هذه الظاهرة كما جسّدها نزار بشكل باهر. إنه من الأمثلة القليلة التي أكدت جدوى الشعر
وضرورته للبشر ليظلوا أسوياء ومرهفين. ومهما كان اختلافنا حول ما كتبه من شعرٍ أو نثرٍ فإن نزار قبانيّ يظل أجمل الخالدين في شعرنا العربي وأكثرهم إثارةً للجدل، ومع ذلك فلابد من القول إن بعض الأحكام حول هذا الكوكب المدوّي لا يخلو من تعسفٍ كبير؛ فهي في معظمها وليدة مطبخنا النقديّ، المتعجّل دائما في إصدار أحكامه تنفيساً عن عقدةٍ، أو تصفيةً لحسابٍ، أو انتقاماً لفشلٍ وإهمالٍ دائمين.
لم تحظ تجربته، كما قلت، إلا بالقليل من العناية النقدية العميقة. وكأنّ بعض نقادنا يدورون، كما يبدو، في دائرة وهمٍ جديدٍ هو أن أكثر الشعر قبولاً لديهم أشدّه تجهماً، وانقطاعاً عن الحياة. أعني أكثره تجريداً وانتماءً إلى الذاكرة. وإزاء هذه الأعراف التي كرسها البعض في واقعنا الشعري كان لابد لشعر نزار قباني أن يتمرد على عتمة المختبر النقدي ليخرج إلى ضجة الناس وهواء الراهـن، إلى عذاب المحبين وحماقاتهم، وكان لابد لبعض النقاد أن يستمروا في الاطمئنان إلى أوهامهم التي ترى أن الشعر قطيعةٌ مع بساطة الحيّ، واليوميّ، والملموس، وأنه قمعٌ للانفعال بالواقع، أو مجافاةٌ للجسد ونداءاته الموحشة.
كان نزار قباني يدرك بعمق أن قرّاءه في المستقبل لا يقلون عن قرائه اليوم، وكان يدرك أيضاً أن ما جاء به كان خاصاً به، وذا نكهة مميزة قد تستعصي على الكثيرين:
“كـم نجمـةٍ حـرةٍ
أمسكتها بيــديْ
وللتطلّع، غيريْ،
ما لهُ عُـنُقُ
إنيّ أضأتُ،
وكم خلقٍ أتوا ومضوا
كأنّهم في حسابِ الأرضِ
ما خُلِقوا
غـداً ستـحتشـدُ الدنيا لتقـرأني
ونَخبُ شعريْ،
يدورُ الوردُ والعرقُ”.
No Result
View All Result