No Result
View All Result
صبري يوسف (أديب وتشكيلي سوري)_
يكتبُ القاصُّ والرِّوائيُّ فريد مراد قصصَهُ ورواياتِهِ كمَن يُناجي نفسَه وقرّاءَهُ مَعاً، لأنَّ قصصَهُ مُستلهمةٌ ومُستنبطةٌ مِنْ مَحطَّاتِ عُمرِهِ وتجاربهِ في الحياةِ، ويتفاعلُ القارئُ مَعَ أحداثِ قصصِهِ، لأنَّها تحملُ بينَ طيَّاتِها هاجساً اجتماعيّاً، وفكريّاً وعاطفيّاً وإنسانيّاً، وكأنَّهُ يُترجمُ مشاعرَهُ وأحاسيسَهُ الدَّفينة مِنْ وقائعِ الحياةِ بما يتلاءَمُ مَعَ عاداتِنا وتقاليدِنا وثقافتِنا، وينتقدُ بعضَ عاداتنا وتقاليدنا الّتي لا تتناسبُ وقائعُها معَ حياتِنا الرّاهنةِ، ولهذا تحملُ قصصُهُ أهدافاً عديدةً، وبهذه الرُّؤية يعيدُ إلينا ما يموجُ في الذَّاكرة مِنْ هواجسَ ومشاعرَ وأحاسيسَ ويصوغُها ضمنَ إيقاعِها الرَّصينِ، ويقدِّمُ لنا عبرةً أو فكرةً ويجسِّدُ لنا ذكرياتٍ ظلَّتْ مُعلَّقةً بينَ أجنحةِ الرُّوحِ ويفرشُها عَبرَ سرديَّاتِهِ وحكاياتِهِ.
يَستوحي مِنْ ذكرياتِ الطُّفولةِ والشَّبابِ ورحلةِ العُمرِ الّتي قضاها في الوطنِ الأمِّ، ثمَّ يُعرِّجُ عميقاً نحوَ رِحابِ الاغترابِ، مُستلهماً الكثيرَ مِنَ القصصِ مِنْ فضائِهِ الاغترابي أيضاً، هذا الفضاءُ الّذي استغرقَ قرابةَ أربعةِ عقودٍ ونصفٍ من الزّمن، ومَعَ هذا ظلَّتْ ذكريات الماضي محفورةً في ذاكرتِهِ مِثلَ نقوشٍ مُرسَّخةٍ على أحجارِ الصَّوَّانِ، مُستوحياً منها قصصاً وعِبَرَاً وحكاياتٍ تجسِّدُ الكثيرَ مِنَ الشَّوقِ والحنينِ إلى مرابعِ الطُّفولةِ والصِّبا والشّباب، ونراه يرصدُ قلمُهُ مواقفَ طريفةً وحكاياتٍ متنوّعةً مِنْ عالمِهِ الاغترابيِّ ويصوغُ منها قِصصاً بديعةً، ويقدِّمُ عَبرَها الكثيرَ مِنَ التَّساؤلاتِ حَولَ مَساراتِ الهجرةِ، وحنينِهِ الجارفِ إلى مسقطِ الرّأسِ “ديرك”، فيؤرِّخُ لنا قصصاً مِنْ وحي عوالمِهِ وتجاربِهِ كي تبقى موئلاً لقرّائِهِ وقارئاتِهِ، يقرَؤُونها بشغفٍ على مرِّ الأجيالِ.
تتميّزُ لغة القاص بالسَّلاسةِ والوضوحِ والسَّردِ الشَّيّقِ، يبني جملتَهُ مِنْ دونِ تعقيداتٍ، أو ترميزاتٍ مبهمةٍ، فيعرضُ قصصَهُ بأسلوبٍ واضحٍ، مركّزاً عبرَ سردِهِ وحوارِ شخصيّاتِ قصصِهِ على الفكرةِ الّتي يتناولُها بطريقةٍ شيّقةٍ كي يوصلَها إلى القارئ بعفويّةٍ انسيابيّة كأنَّهُ يعايشُ الواقعَ الّذي يرسمُهُ عبرَ حرفِهِ المتدفّقِ.
القاص فريد مراد قارئٌ عميقٌ للأدبِ، قرأ الكثير مِنْ قصصِ ورواياتِ الأدبِ العربي، ما شكَّلَ لديهِ خِبرةً جيَدةً حولَ بناءِ الفضاءِ القصصيِّ، معتمداً على خيالِهِ وخصوصيّة تجاربِهِ، ومسخِّراً اطلاعَهُ على تجاربِ الآخرينَ أساساً لمخزونِهِ اللّغوي والبناءِ الفنّي كي ينطلقَ حامِلاً فوقَ أجنحتِهِ الأدواتِ الفنّيّةَ واللّغويّةَ وينسجَ فضاءَهُ القِصصي بمهارةٍ رشيقةٍ، بعيداً عَنْ تأثيراتِ الآخرينَ، فتولدُ قصصُهُ مِنْ رحمِ تماهياتِ انبعاثِ الحرفِ مِنْ وقائعِ الحياةِ والخيالِ مَعاً، مِا جعلنا نقفُ أمامَ قاصٍ لَهُ خصوصيّتُهُ المميّزةُ في بناءِ القصّةِ القصيرةِ!
يكتبُ بشغفٍ كبيرٍ، والكتابةُ تعني لهُ الحياةَ عبرَ حرفٍ سيبقى ساطعاً على جدارِ الزَّمنِ، مجسِّداً معالمَ المحبّةِ والفرحِ، وراسماً فوقَ مُحيّا قرّائِهِ البسمةَ والمتعةَ والفائدةَ، كأنَّهُ في سياقِ حوارٍ مَعَ ذاتِهِ ومَعَ القرّاءِ، لأنَّ الكتابةَ أشبهُ ما تكونُ شهيقَ الكاتبِ، ينثرُ شهيقَهُ كي يبقى مُرفرِفاً كأجنحةِ اليمامِ فوقَ مُروجِ الحياةِ.
يغوصُ عميقاً في تجلّياتِ بوحِ الرُّوحِ في مجموعتهِ القصصية الثالثة، “قيثارة الروح” المحبوكةِ بوهْجِ السَّردِ، وقد لمسْتُ في متونِ هذهِ القصصِ رهافةَ قيثارتِهِ وهي تُهدهدُ حنايا الرُّوحِ بأنغامِها في عوالمِ قصصِهِ الّتي صاغَها وبنى متونَها مِنْ تجاربَ عديدةٍ، فقد عوَّدَنا أن يستوحيَ لُبَّ القصصِ مِنْ أحداثِ الحياةِ ومِنْ تدفٌّقاتِ أفكارِهِ وخيالِهِ، ويفرشَ هذهِ الخيوطَ المتشابكةَ في عالمِهِ، وينسجَ منها خيطاً قصصيّاً، شهيَّاً ومُمْتِعاً في قراءَتِهِ ومتابعَتِهِ، حيثُ نراهُ مُحلِّقاً في فَضاءِ القِصَصِ، فتولدُ الأحداثُ بتدفُّقٍ وعذوبةٍ، ويتخلَّلُها أحياناً بعضُ المُصادفاتِ والمُفاجآتِ غيرِ المتوقِّعةِ، بلغةٍ رشيقةٍ، مُلتقِطاً بؤرةَ الحدَثِ مِنْ حكايةٍ حصلَتْ معَهُ.
يشتغلُ على تطويرِ تقنياتِهِ الفنّيّةِ وفضاءَاتِ سرديّاتِهِ، مُجنَّحاً نحوَ حالاتِ الوئامِ الإنسانيِّ. يمقتُ الغدرَ والخيانةَ والغشَّ والعنفَ والحروبَ المُميتةَ والصّراعَ بينَ البشرِ، ويسلِّطُ قلمَهُ على المشاعرِ الطّيّبةِ والذّكرياتِ المُبهجةِ مجسِّداً عوالم حرفِهِ برهافةٍ عاليةٍ، لأنَّ الحرفَ يبقى ساطعاً وشاهداً على عبورِنا وأثرِنا فوقَ طينِ الحياةِ. وتزخرُ قصصُهُ بالرّموزِ في مُتونِ القصصِ، مُنتقلاً مِنْ مَشهدٍ إلى آخرَ بطريقةٍ سلسةٍ على إيقاعِ خيالٍ سَيّالٍ في انبعاثِهِ، مُركّزاً على خيطِهِ القِصصي والوهْجِ السَّرديِّ، وللحوارِ مِساحةٌ رحبةٌ في بنائِهِ الفنّي. يكتبُ قصصَهُ عَنْ رغبةٍ غامرةٍ بكلِّ ما لديهِ مِنْ شغفٍ ومُتعةٍ، كأنّهُ يَنسُجُ أحلامَهُ المرفرِفةَ في ذهنِهِ وخيالِهِ وآفاقِ رؤاه، مُجسِّداً ما يموجُ في أعماقِهِ مِنْ رؤى وتأمُّلاتٍ، كي يقدِّمَ رحيقَ تجاربِهِ وأفكارِهِ للقرّاءِ.
استوحى الرّوائي فريد مراد روايته الأولى: “كنتُ على وشكِ الرَّحيلِ”، من تجربةٍ مريرةٍ مرَّ فيها على مدى أربعِ سنواتٍ، وعَرَفَ كيفَ يسردُها بإيقاعٍ روائيٍّ، مُمْسِكاً بتفرُّعاتِ خيوطِ السَّردِ المتناغمِ مَعَ رشاقةِ اللّغةِ عبرَ مساراتِ سيرِ الأحداثِ بمهارةٍ عاليةٍ، ومَعَ أنّه دوَّنَ في مُتونِ روايتِهِ أسماءَ الأطبّاءِ والطَّبيباتِ والممرِّضينَ والممرّضاتِ وأسماءَ المستشفياتِ والأمكنةِ، وأسماءَ الكثيرِ مِنْ شخصيّاتِ الرِّوايةِ بأسمائِها الصَّريحةِ، مَعَ كلِّ هذا استطاعَ عَبرَ لُغةٍ سلسةٍ أنْ ينسجَ فصولَ روايتِهِ من وحي وقائعِ ما مرَّ بِهِ من تجربتِهِ المريرةِ بمرضِ السَّرطانِ، ولكنَّهُ استطاعَ بحنكتِهِ السَّرديّةِ أنْ يَحبُكَ الكثيرَ مِنَ التَّفاصيلِ والحكاياتِ والمواقفِ مِنْ وحي خيالِهِ ويصوغَها في أحداثِ تجربتِهِ المرضيّةِ، فأضفى على وقائعِ السَّردِ ما يُبعِدُ حالةَ الملَلِ الّتي يُمكنُ أنْ تُصَاحِبَ القارئَ فيما إذا ركَّزَ عبرَ مُتونِ السَّردِ على حَالاتِ مَراحلِ المَرضِ، والعمليّاتِ الجراحيّةِ الّتي أجراها في المشافي أثناءَ فترةِ المُعالجةِ بكلِّ ما فيها مِنْ ألمٍ غيرِ قابلٍ للاحتمالِ، إلّا عبرَ أجنحةِ الصَّبرِ الّتي تحلَّى بها منذُ أن تبلّغَ بهذا المرضِ حتَّى آخرِ يومٍ مِنْ شفائِهِ، لأنّهُ أرادَ أنْ يجسِّدَ فترةً عصيبةً مِنْ حياتِهِ، ويكتُبَ مِنْ وحيها نصَّاً روائيّاً يحملُ الكثيرَ مِنَ العِبَرِ ووجهاتِ النّظرِ المكلَّلةِ بالأملِ والتّفاؤلِ والنّجاحِ، فقدْ وجدَ في هذهِ التّجربةِ، ما يُناسبُ أنْ يستوحيَ منها نصَّاً روائيَّاً، ويقدِّمَ هذهِ التَّجربةَ للقارئِ على طبقٍ مِنْ حكمةٍ وتفاؤلٍ غيرِ متوقِّعَينِ للكثيرينَ ممَّنْ مرّوا في هذه التجاربَ أو يُمكنُ أنْ يَمرُّوا بها في مُستقبلِ الأيَّامِ.
استخدمَ الكاتبُ عبرَ متونِ فصولِهِ، أسلوبَ المناجاةِ ومحاورةَ الطَّبيعةِ، فقدْ تطرّقَ عبرَ فصلٍ كاملٍ إلى مناجاةِ الدَّاليةِ، فقد أنْسنَ الطّبيعةَ وكأنَّهُ يقولُ للقارئِ لِمَ لا نكونُ مُعطائِينَ وخيِّرينَ، ونثمرُ ثماراً طيّبةً مثلَ الدّوالي، وبقيّةِ الأشجارِ الّتي تُغدِقُ علينا أشهى الثّمارِ، ولِمَ لا نكونُ نحنُ البشرَ معطائينَ بكلِّ ما لدينا مِنْ خير ٍووئامٍ وعطاءَاتٍ خلّاقةٍ لبني جنسِنا وللحياةِ مِنْ حولِنا؟ هذا يقودُنا إلى أنَّ الرِّوائيَّ عندما يكونُ بهذهِ الحساسيّةِ المرهفةِ وهذا التَّواصلِ مَعَ شخصيّاتِ روايتِهِ والطّبيعةِ، كأنّهُ يريدُ أنْ يطرحَ عَبرَ روايتِهِ، ضَرورةَ تآخي الإنسانِ مَعَ أخيهِ الإنسانِ كي يُحقِّقَ كلُّ ما هو مفيدٌ للإنسانِ والطّبيعةِ والحياةِ، بطريقةٍ إنسانيّةٍ، بعيداً عَنْ لغةِ الإقصاءِ والتّعدِّي على حقوقِ أيِّ كائنٍ حيٍّ، ابتداءً مِنَ الإنسانِ، مروراً بالطّبيعةِ وجميعِ الكائناتِ.
وفي رواية فريد مراد الجديدة، “رحيل نحو المجهول، محطّات زمنيّة”، نسافرُ معهُ في رِحلةٍ سياحيّةٍ فيها الكثيرُ مِنْ تشابكاتِ الأحداثِ، عَبرَ محطَّاتٍ متنوِّعةٍ في سياقِ سردِ روايَتِهِ المتشعّبةِ، فيأخذُكَ إلى مِساحاتٍ زمنيةٍ فسيحةٍ، تمتدُّ لأكثرَ مِنْ نِصفِ قرنٍ مِنَ الزَّمنِ، وقد جَسّدَ لنا عبرَ محطَّاتِهِ أبهى خيوطِ الحَنينِ، تاركاً بينَ مُتونِ السَّردِ الكثيرَ مِنَ التَّساؤلاتِ للقارئِ، وسلّطَ قلمَهُ على بَعضِ الاعوجاجاتِ السَّائدةِ في المُجتمعِ الَّذي عاشَ فيهِ قرابةَ عِقدَينِ مِنَ الزَّمنِ، ثمَّ عَبرَ البحارَ، وعادَ بعدَ أكثرِ مِنْ أربعةٍ عُقودٍ يُلملمُ ما تعلَّقَ في الذَّاكرةِ مِنْ أحداثِ تجربتِهِ في الوطنِ الأمِّ ودنيا الاغترابِ، وكتبَ بحنينٍ عميقٍ الكثيرَ مِنْ هذهِ الذِّكرياتِ، الّتي عاشَها في الوطنِ الأمِّ، بكلِّ أفراحِها وأتراحِها، مِمّا بقيَتْ مُرسَّخةً في الذَّاكرةِ، تاركاً خيالَهُ يموجُ في هذهِ المَحطَّاتِ، وجَسَّدَها بإيقاعٍ شاهقٍ وبلغةٍ سلسةٍ وسهلةٍ، ولم يتقيّدْ في روايتِهِ بتسلسلٍ زمنيٍّ بحسبِ سيرِ أحداثِ المَحطّاتِ، بلْ اتَّبعَ أسلوباً أشبهَ ما يكونُ بالتَّأمُّلاتِ والتّداعياتِ الانسيابيّةِ في استرجاعِ أحداثٍ ومواقفَ مُخزَّنةٍ في رِحابِ ذاكرتِهِ ومخيَّلتِهِ، وصَاغ مِنها فُصولاً مُتناغمةً مَعَ رشاقةِ عَرضِ رؤاه في السَّردِ الرِّوائي، وكأنَّهُ يحكي لنا مقتطفاتٍ مصطفاةً مِنْ حكاياتِهِ وذكرياتِهِ بطريقتِهِ الخاصّةِ، فوجدَ نفسَهَ أمامَ شلَّالٍ متدفِّقٍ مِنَ الأحداثِ والحكاياتِ، فانتقى ما رآهُ مناسباً لفضاءاتِ الرِّوايةِ الّتي قادتْهُ إلى رحيلٍ مفتوحٍ نحوَ المجهولِ، وراحَ يتلمَّسُ هذا المجهولَ محطّةً محطّةً، وكأنَّهُ يقومُ برحلةٍ فسيحةٍ في ماضيهِ البعيدِ والقريبِ، فجاءَتْ أحداثُ الرِّوايةِ محبوكةً بطريقةٍ سلسةٍ دافئةٍ وبلغةٍ رشيقةٍ سهلةٍ، ويُمكنُ أنْ ندرجَ هذا النَّوعَ مِنَ الأعمالِ الرِّوائيّةِ في فضاءِ السِّير الذاتيّة منْ حيثُ منابعُ استلهامِ وقائعِ السَّردِ، مِنْ خلالِ ما نقرَؤهُ مِنْ أحداثٍ وأمكنةٍ وأسماءٍ مسرودةٍ بدقَّةٍ متناهيةٍ، لكنَّها ليسَتْ بالسِّيرةِ الذَّاتيّةِ، بقدرِ ما هي مُستلهَمةٌ مِنْ محطَّاتِ حياتِهِ، وجاءَتِ الرِّوايةُ معجونةً بانبعاثاتِ الذَّاكرةِ ووهْج ِالخيالِ المتعانقِ مَعَ حيثياتِ الأحداثِ، مَعَ أنّهُ دوَّن أسماءَ الكثيرِ مِنَ الشَّخصيّاتِ الأساسيّةِ والفرعيّةِ كما هي، لكنَّهُ صاغَ الأحداثَ بطريقةٍ سرديّةٍ مجنَّحةٍ نحوَ منعطفاتِ البوحِ الرِّوائيِّ، فجاءَتْ محطّاتُهُ عَبرَ رحيلِهِ إلى المجهولِ، مفتوحةً على مساراتٍ عديدةٍ، وطرحَ علينا الكثيرَ مِنَ الأسئلةِ، وقَدْ عبَّرَ عَنْ نجاحاتِهِ وإخفاقاتِهِ، ومراميهِ خلالَ رحلةِ العبورِ في أعماقِ المجهولِ في دُنيا الاغترابِ. وكأنّهُ يقولُ لنا: إنَّ الحياةَ مجرَّدُ مجموعةٍ مِنَ المحطّاتِ، وأحياناً كثيرةً نعبرُ متاهاتِ هذهِ المحطّاتِ عَنٍ قصدٍ أو مِنْ دونِ قصدٍ، وبعضُ المحطَّاتِ أشبهُ ما تكونُ أقدارَنا الَّتي لا بدَّ مِنْ الدُّخولِ في معتَركِها.
هذهِ الرِّوايةُ هي حكايةُ كلِّ مغتربٍ ومغتربةٍ مِنْ بعضِ الوجوهِ، وحكايةُ الكثيرينَ ممّنْ يُقيمونَ في الوطنِ الأمِّ أو خارجَ الوطنِ، أيَّاً كانَ وطنُ القارئِ والقارئةِ. وجاءَتِ الرِّوايةُ محمّلةً بوهْجِ الحنينِ والشَّوقِ إلى مسقطِ الرّأسِ والوطنِ بكلِّ جمالياتِهِ وانكساراتِهِ، وإلى الأهلِ الَّذينَ هم على قيدِ الحياةِ والّذينَ رحلوا، حيثُ كانَتْ أحداثُ الرِّوايةِ تعبقُ بحميميَّةٍ عميقةٍ إلى المكانِ الأوَّلِ، مسترجعاً الكثيرَ مِن حواراتِهِ ولقائِهِ مَعَ الأهلِ، والأصدقاءِ وأسرتِهِ ومحبِّيهِ، وأصدقاءِ رحلتِهِ الاغترابيّةِ، مُتحسِّراً على الحميميّةِ الّتي كانَتْ سائدةً بينَ الأهلِ والأحبّةِ والأصدقاءِ، والّتي خفَّتْ كثيراً في عالمِ اليومِ سواءً في دُنيا الاغترابِ أو في ربوعِ الوطنِ، لأنَّ متغيّراتِ ومتطلّباتِ الحياةِ تغيَّرتْ وتوجَّهتْ نحوَ مساراتٍ أخرى!
أصدر القاص فريد مراد ثلاثَ مجموعاتٍ قصصيّةٍ “عندما كنتُ أراها مقبلة”، و”الدُّنيا كما كنَّا نراها”، و”قيثارة الرّوح”. تمتاز قصصُهُ بالسَّلاسةِ والبساطةِ والعُمقِ وقدرتِهِ الماهرةِ في نسج ِفكرةِ الحكايةِ الّتي يتناولُها، فيسردُها ضمنَ إيقاعٍ سرديٍّ مَحبوكٍ برشاقةٍ وعفويّةٍ شيّقةٍ. يستلهمُ حكاياتِهِ القصصيّةَ مِنَ الحياةِ وما تجودُ بِهِ مخيّلتُهُ، فتأتي القصصُ مزيجاً مِنَ الواقعِ والخيالِ المُنسابِ أثناءَ انبعاثِ البَوحِ، مُستخدماً لغةً سَهلةً مُوائمةً لشخصيَّاتِ قصصِهِ في بِناءِ الحِوارِ والسَّردِ ووهْجِ الشَّوقِ والحَنينِ، قافزاً مِنْ مَشهدٍ إلى آخرَ بتقنيَّاتٍ رَهيفةٍ، حيثُ تَنسابُ قدراتُهُ السَّرديّةُ السّلسةُ في بِناءِ فضاءَاتِ قصصِهِ، مُمْسِكاً بتشعُّباتِ خُيوطِها بمهارةٍ عاليةٍ، بعيداً عَنِ الحشوِ والاستطرادِ الفضفاضِ، ويَشعرُ القارئ أنَّهُ أمامَ أحداثٍ ووقائعَ تَخصُّهُ أيضاً.
No Result
View All Result