الشاعر بسّام موسى_
كلامُهُ فِتْنةُ الضَّوء، وحِبرُهُ المُتَهَوِّرُ في اندِفاعِهِ حَنونٌ حتى القَسوَةِ، يَدخُلُ خِيَمَ العَتمَةِ، يوقِظُ الأسماءَ، يُعَرِّشُ على السُّطورِ تفاصيلَ أفكارٍ مَمْسوسَةٍ بِحَدسٍ شاعِريٍّ. وقد أدرَكَ الشاعرُ الدكتور يوسف عاد أسرارَ اللّغةِ عَبر آلياتِ كَشْفٍ خاصّةٍ بهِ، مُحَمَّلَةٍ بشُحُناتٍ تأوِيليَّةٍ عاليةٍ غائرَةٍ في المكان الواضِحِ والزمان المُتَحَرِّك.
اللغةُ سَيَّالةٌ، هادِرةٌ، وواضِحةٌ تَتَرَبَّصُ بنا، حيث تَحفلُ بالتَشَكُّلِ الصُّوَرِيِّ الجماليّ البريء، تتسارَعُ إلى تشكيلِ العبارةِ التي تَتَّسِعُ باتسّاعِ الرؤيا. روحُهُ قَلِقَةٌ هاجِسَةٌ، جُمَلُهُ رِحلاتٌ سِحرِيَّةٌ وسَفَرٌ عميقٌ إلى استِجْلاءِ الواقعِ واستِكشافِ المُستقبلِ.
ألمعنى يَتَسَلّقُ قامَةَ الجُمَلِ المُلَبَّدَةِ سماؤها بالضّوءِ، والقراءةُ في كُتُبِهِ رَحِيْلٌ لا يَعرِفَ التّعَبَ. قصيدَتُهُ نَضِرَةٌ ذكِيَّةٌ، دَمُها حارٌّ، تَغْتذي من السهولةِ لِتَكتَسِبَ جاذِبِيَّتَها. تَرتقُ بالسّردِ والوَصفِ ما تَمَزَّقَ من جُيوبِ الزَمَنِ العاثِرِ، والروحِ المَثقوبَةِ القَعرِ تَمنَحُ رَصْداً هائلاً للفِكرَةِ، تَشُمُّ منها الحنينَ إلى الأرضِ وحَرَكِيَّة التواصَلِ مع النسيجِ الاجتماعيّ القَرَوِيِّ.
إنّها البَراءَةُ الناصِعَةُ في مُواجَهَةِ الفَقرِ والتَخَلُّفِ والاستِبدادِ، وسؤال الهوِيَّةِ بمُكَوِّناتِها، التي أغْنَتِ المُكَوِّنَ الشِّعريَّ، فحَمَّلَتْهُ طاقَتَهُ وانفِجارَ لُغتِهِ أحياناً.
وبانسِيابِيَّةٍ باهرة يُقَلِّمُ الشاعِرُ أظفارَ القَهرِ، فتتساقَطُ شُبُهاتُ الحياةِ الفاتِرَةِ القاسِيَةِ، وتتحَطَّمُ مرايا الوجودِ الصدِئَةِ أمام فَخَّارِ صَوتِهِ المُكتَظِّ بالصَّهيلِ وورِيدِهِ المَحفوفِ بالثُّغاءِ، لِيُصبِحَ اللّيلُ بنكْهَةِ التّوتِ البَريِّ وتعودُ للفجرِ قُدرَتهُ على الدهشة. ولم يُخَفِّف النثرُ من شِعرِيةِ القصيدةِ، لأنه يَضربُ بقُوّةِ الحِسِّ والمُخَيِّلةِ والعقلِ، ويَغتَسِلُ بماء الجَمالِ.
فالفنَّ إجمالاً- كما يقول أُنسي الحاج – والشِّعرُ خصوصاً، وسيلَتا كَشْفٍ لِميتافيزيقيّةٍ تَفتحُ للإنسان نحو المُطلَقِ، وكثيرٌ من الشَذراتِ تقترِبُ من النصّ الشِعريّ دون أن تَلبَسَ قُبَّعَةَ القصيدةِ. فالصيغَةُ اللُّغوِيَّةُ التي يَكتُبُ بها الشاعرُ خاصَّةٌ به. ورسالتُهُ حاضِرَةٌ في نصّهِ، لِيُعطِيَ الشِّعرَ نكهَةَ الواقعِ. وما استِخدامُ ضميرِ المخاطَبِ إلّا لِتأسيسِ علاقةٍ بين الذات والآخَرَ في دلالةٍ رُؤيَوِيّةٍ استنهاضِيَّةٍ لِبناءِ أُفُقٍ إنسانيّ أرحَبَ وأوسَعَ. يقول الدكتور يوسف عاد:
“يا ضَيعتي أتألّمُ/ أمّي/ ويعصرني الدمُ/ والموسِمُ المُتَهَدّمُ/ وأَخٌ يَنوحُ… يُهَمهِمُ/يتألّمُ/. “قذائف – ص ١١”
واختيارُهُ قصيدةَ النثرِ له أثرُهُ في اختلافِ إمكاناتِ التعبير، فهو يجعلُ الشّعرَ مَيّالاً إلى الإيجاز والاختِصارِ حيناً وإلى الإطنابِ والاستطرادِ أحياناً أخرى. وهي تَنفُخُ في القصيدةِ نارَ العاطِفَةِ، وتُؤَجِّجُ المشاعِرَ وتُقَرِّبُها أكثَرَ من المُتَذَوِّق.
وبعضُ قصائدِ الدكتور يوسف عاد “وَمْضِيَّةٌ” لاعتمادِها أسلوبَ الومضةِ، التي تمنحُ الصورةَ الشعريةَ بُعداً بَصَرِياً، وتُتيحُ للقارئ قُدرةً على تَخَيُّلِها تتحرَّكُ أمامَهُ. فالشاعرُ يُسَلِّطُ الضّوءَ على المعنى، ويُؤطِرُهُ في قالَبٍ إبداعِي فيه طَراوَةٌ ونَداوَةُ الفِكرَةِ وانفتاحها على الفَهم.
قصيدةُ النثر أرضُ الشاعر الدكتور يوسف عاد وتُخومُهُ المُتَشَعِّبُةُ؛ تُخومُ المعارِفِ والأساليبِ والدلالاتِ، وامتلاك الأدوات الشعريةِ الخاصّةِ به. حتّى أنّ مُعجمَهُ الضَيِّقَ بالمفرداتِ سَطَّرَ أجملَ القصائدِ في معظم كُتُبِهِ. والشاعرُ لا يَبحَثُ عن قريةٍ مجرّد قرية أو وطنٍ كأيّ وطنٍ، بل عن ارتباطٍ إنساني اجتماعي بمكان محكومٍ بالصدق والأخلاق والوعي.
لعلّها تجربةٌ لَصيقةٌ بذاتها، بها تَتَكشّفُ شعريةُ النص وقلق الذات وهواجِسِها وأزماتِها من خلال تَخييلٍ ينطلِقُ من حَيرَةِ الذاتِ لِتُصبحَ حيرةً شاملةً وطنيةً اجتماعية وإنسانية “مجموعة خطرات ضيعويَّة”.
صديقُنا قَلِقٌ كرَقَّاصِ ساعةٍ في ليلٍ أخرسَ، يتدفَّقُ حنيناً وثورةً، يَسْتَحلِفُ الإنسانَ بالأرضِ أَلّا يَهدَأَ ويستكين، عامِرٌ بفَرَحِهِ، لكنَّ دُموعاً دَبِقَةً تَتَعَتَّقُ في جِرارِ عَينَيْهِ، وتَتَرَبَّصُ به.
نَبْضُهُ مُتَشَنِّجٌ، يَهبطُ عن فُوَّهَةِ هَذَيانِهِ تِلوَ أخرى حتّى تُولَدَ القصيدَةُ على صَفيحٍ ساخِنٍ. يقولُ في مجموعتِهِ ” ليتَ لي أمَلاً ” ص ٢٥: الناسُ في الأعيادِ يمرحون/ وأنا وحيدٌ/ لا مالَ عندي ولا ثياب/لا رِياشَ ولا أثاثَ/لا كهرباءَ/ لا نار/ .
هو الشِّعرُ الذي يَخلُقُ مَتاهَةً لكل شَجَنٍ، ويُعَطِّرُ الوقتَ دون الوقوفِ على جُثَّةِ الماضي. هو المستقبلُ الآتي على هَودَجِ الرّيحِ، وبَسْمَةُ الطَلِّ فوق أهدابِ النهار.
لكنْ حينما يُطِلُّ اللّيلُ، يتذَكَّرُ الشاعرُ الوَحدَةَ، يأكُلُ خبزَ الفقدان. فالليل حالةُ اغتِرابٍ تتجلَّى ملامِحُها في الألمِ والسُكونِ الجاثِمَيْنِ على الصَدرِ، ورُبّما في استِشْعارِ الفَناءِ الذي يَزيدُ صديقَنا رُعباً وهَلَعاً واحتِداماً بالقُنوطِ، لَكِنَّهُ يَنجو منها بِمُناجاةِ رَبِّهِ بقوله في “ليت لي أملاً – ص ١٥ “:
في هَدْأَةِ اللّيلِ، في ظُلمَتِهِ/ جلستُ وحيداً/ ورُحتُ أُغَنِّي:/ حياتي عذابٌ، حياتي ألَمٌ/ ويَعتَصِرُ قلبي/عَدَم /….. يا رب ساعد صديقي، حبيبي /.
فَلْتَسْكُبْ يا صديقي خَمْرَ الشِّعرِ بِدِنانِ قَوافيكَ، وَلْتَجُرَّ قَمَرَ التَجَلّي إلى رِياضِكَ، فما الحياةُ إلّا لِلخالِدين.