No Result
View All Result
أحمد دبوق_
يُعدُّ الوقوف على الأطلال واحدةً مِنْ دلالات التعبير عن المشاعر والمكنونات الإنسانية، التي تناولها الشِعْرُ في العصر الجاهلي، ولقد أبدعَ شُعراء الجاهلية كما وصَلَنا مِنْ خلال أشعارهم ومعلقّاتهم، في رَسمِ لوحاتٍ شِعرية على الجِلد (الحيواني) والقماش (حرير وما شابه) أو حتى النبات (ورق البردي) بالمداد والدواة، وتعددّت الصوَر الشعرية مِنْ المديح والهجاء مروراً بالحبّ والغزل، العُذري مِنهُ والإباحيّ، وصولاً الى البكاء على أطلال دُورِ الأحبّة التي خَلَت مِنهم أو هُجِرَتْ.
رَغمَ قسوة الطبيعة الصحراوية للجزيرة العربية، فإنّ الأدب والشِعر الجاهليين كانا علامة فارقة في ذلك العصر الذي شَهِد بلاغة وفصاحة لغويتين، قَلّ نظيرهما وما زالتا حتى يومنا هذا محطّ إعجاب وتقدير على الساحة الثقافيّة، وقصائد ومعلّقات فيها من الغزل والعشق ما قد يتناقض في الظاهر مع قساوة الطبيعة وظروف الحياة اليومية حينذاك.
في سَفَرٍ عبر العصور، مِنَ الجاهليّ الى الحديث، مِنْ عمرو بن كلثوم الى أمّ كلثوم، ذلك الصوت العربي الفريد الذي خلّد كلمات الشاعر إبراهيم ناجي في بكائه على ما تبقّى مِنْ مشاعر للحبيب الأوّل في قصيدته “الأطلال”، حافظت فيها اللغة العربية خلال تلك الفترة الزمنيّة الطويلة، على مكانتها وفرادتها وكانت حَجَر الأساس للنهضة الثقافية العربية، عُرِفَت خلالها نُخبة من الأدباء والشعراء، مثل: امرؤ القيس وعنترة بنْ شدّاد وغيرهم في العصر الجاهلي، والفرزدق، والأخطل، وكعب بن زهير، وعمر بن أبي ربيعة، وقيس بن الملوّح، وغيرهم في العصرين الإسلامي والأموي، وأبو الطيّب المتنبي، وأبو نوّاس وأبو تمّام وغيرهم في العصر العبّاسي، وجبران خليل جبران، وأحمد شوقي، وأبو القاسم الشابيّ، ونزار قبّاني ومحمود درويش، وغيرهم في العصر الحديث.
تُعدُّ النهضة العربية التي سادت في النصف الأخير من القرن التاسع عشر والنصف الأول مِنَ القرن العشرين، آخر علامات التنوير واليقظة العربية الفكرية، الثقافيّة والاجتماعية التي سادت مصر ولبنان، مروراً بدمشق وبغداد وصولاً الى مراكش، وساهمت هذه النهضة في الحفاظ على مكانة اللغة العربية أدباً مكتوباً وشِعراً منظوماً وتراثاً محفوظاً على الرغم من التحوّلات السياسية، التي كانت تسود المنطقة العربية، من الوجود العثماني وحملة بونابرت في نهاية القرن الثامن عشر، الى بداية حركات التحرر الوطني في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين .
وشَهِد النصف الأخير مِنْ القرن العشرين بداية التطّور التكنولوجي والعلمي وسهولة الوصول الى المعلومة بجهد قليل ووقت أقلّ، الأمر الذي كرّس استبدال الكتاب بالهاتف المَحمول، والقراءة بالاستماع والكتابة والمراسلة بالطباعة والمراسلة الالكترونيتين، صَاحَبَ ذلك اتكالية فكرية، فردية وجماعية، تحوّلت مع الأيام كسلاً ولا مبالاة ساهمتا نوعاً ما في تقهقر مستوى الثقافة، والأدب بصورة عامة والثقافة والأدب العربيين بصورة خاصة.
ما كان إطلاق العمل الموسيقي الغنائي، الذي عُرفَ باسم “أوبّريت الحُلْم العربي” في نهاية الألفية الثانية، سوى تعبير، ليس عن طموح بتحقيق حُلْمٍ ما بِقَدَرِ ما هو شعور بإحباطٍ مِنْ قَعر ثقافي وحضيض فكري وصلتْ إليه مُعظَم المجتمعات العربية، هذا الحُلْمُ الذي أُريد له أن يكون هَدفاً وقاسماً مشتركاً بين الشعوب، تَحمِلُه النُخب الثقافية العربية المختلفة والمتنوعّة، مِنْ شمال القارة السمراء، مروراً بالجزيرة العربية، وصولاً الى شواطئ البحر المتوسّط.
بَيدَ أن الواقع اليوم، يُشير الى أننا نبتعد عن هذا الحُلْم العربي المشترك باستعادة أمجاد ثقافية، أدبية، شعرية وحتى فكرية، فقد تحوّل الحُلْمُ الجماعي الى أحلامٍ فردية، وأضحت الكتابة حِرفَة على طريق الانقراض، والإبداع الفكري كمومياء فرعونية مُحنّطة.
لم يبقَ للمثقف العربي، إنْ وُجِدَ أو مَنْ تبقّى، سوى الوقوف على أبواب المُنتديات الثقافية والأدبية المُنتشرة عشوائياً ليبكي أطلالاً ويُنشدُ ما كتبه الشاعر محمود بيرم التونسي وغنّته السيّدة أُمّ كلثوم (أيّها المثقف العربي):
أنا في انتظارك خلّيت،
ناري في ضلوعي وحطِّيتْ
إيدي على خدِّي وعدِّيت،
بالثانية غيابك ولا جيتْ…
No Result
View All Result