No Result
View All Result
أسماء الزرعوني_
عندما أعود بذاكرتي إلى مراتع طفولتي، وأتذكر الجدران الإسمنتية غير المدهنة، أتذكر كم كانت متعتي طاغية، عندما كنت أمسك الفحم الأسود،
وأدون بعض الخواطر، أو بعض الحكايات من الحي، على تلك الجداران، فقد كنت أمارس هوايتي، على شاطئ البحر أيضا بأناملي، وأحيانا كثيرة الموج كان يأخذ حروفي، ولكن الجدران كانت تحتفظ بها لوقت أطول، وعندما كانت حبات المطر تتساقط على تلك الجدران، ترحل الحروف في شقوق الأرض، وأنا خلف نافذتي أسترق النظر إليها، لكنني أهمس بداخلي: في جعبتي الكثير، وعندما كبرت قليلا اخترت الكراسة، لكن سعادتي كانت أكبر عندما كنت اخرج وقت القيلولة وفي يدي بعض الفحم، أو “الصخام” بلهجة أهل الإمارات. تعودت الناس على القيلولة بعد وجبة الغداء، كما كان يقول والدي رحمة الله عليه “تغد وتمدد، تعشى وتمشى”، واعتدت أنا أن أقف أمام الجدران الصماء لأنقش حروفي، وبعدها أذهب إلى غرفتي وخلف نافذتي، كم كانت سعادتي عندما كنت أشاهد أن البعض يقف ليقرأ حروفي المدونة في قلب الجدار.
ثقافة الكتابة على الجدران كانت منتشرة “أدب الشوارع” كما يسميه البعض، أو الكتابة الجدارية، كانت عبارة عن ثقافة مجتمع، وكذلك تعكس جانب من السيرة الذاتية للفرد الذي يكتبه، وكذلك سيرة مجتمع ومنها ملامح التغيرات الاجتماعية اليومية، وما يحصل في المدن والقرى والتجمعات السكانية في أنحاء العالم، جهود كثيرة بذلت لدارسة هذا الواقع، وخاصة في المدارس الأمريكية، مدرسة نيويورك وعالمها الشهير (روبيرت راينسنير) الذي ألف كتابا حول الجدارية، رغم أنها كانت منتشرة في عالمنا العربي، وإلى الآن عندما أزور بعض الأحياء القديمة في الشارقة، أجد هذه الكتابة منتشرة، وحتى إني وجد ت هذه الظاهرة في كثير من أحياء جمهورية مصر العربية، والسؤال الذي يطرح نفسه هل فكر أحد منا أن يدرس هذه الظاهرة، أو بما يسمى “أدب الشوارع”، رغم وجود الأجهزة الذكية والرسائل النصية إلى الآن، وأنا أتابع هذه الظاهرة في بعض الأحياء السكنية، قبل فترة وجدت رسائل غرامية أراد شخص ما أن يوصلها لحبيبته، فلم يجد سوى هذه الطريقة، يا ترى هل وصلت الرسالة؟ أم أنها مجرد تفريغ ما يكنه هذا الشخص بداخلة؟ جميل أن نتبع الظاهرة، ونكوّن حولها دراسة، تستحقها.
No Result
View All Result