No Result
View All Result
حاوره/ محمد حمود_
أحمد عبد الرؤوف؛ شاعر ولِد في ناحية تل تمر التابعة للحسكة، كتب الشعر في مراحل مبكرة من حياته، وتم اختياره ضمن أفضل 40 شاعراً على مستوى سوريا عام 2016. نشر في عدد من الجرائد والمجلات المحلية والعربية، كما صدر له ديوان بعنوان “ليس لي”.
صحيفتنا “روناهي” التقت الشاعر، وأجرت معه الحوار الآتي:
ـ من هو أحمد عبد الرؤوف؟
أحمد عبد الرؤوف ربما مازال ذلك الطفل الهادئ حيناً والشّقي أحياناً أخرى، وهو يحمل دفتره وقلم الرصاص ذاهباً إلى المدرسة الابتدائية في تلك القرية المتكئة على كتف نهر الخابور في ريف مدينة تل تمر في خريف عام 1997، لتتفتّق الحجبُ حجاباً حجاباً وتتّسع الدّنيا رويداً رويداً، هي الأبقى في ذاكرتي تلك المرحلة قبل أن تنقلني الكتب والأقلام إلى المرحلة الإعدادية والثانوية والجامعية، حيث الرعشة الأولى للشباب ليتجزّأ اللون الواحد للطيف ليكشف ألواناً جديدة كثيرة، فثمّة أشياء أبعد من القراءة والدروس والمنافسة بين الرفاق وأبعاد أخرى للكون والحياة تتبدّى أحياناً في عيون الصّبايا حين يكلل الحياءُ العذريُّ وجوهَهنّ وهي تنضح بالرغبة بالحياة، فكانت السطور الأولى في عالم الشعر محاولات خجولة اقتصر سماعها على الرفاق والمعلمين حتى وجدتُ ضالتي في تلك الأبيات التي بدأتُ أنظمها تارةً عفو الخاطر، وتارةً أخرى بتكلّف الفضولي، لتبدأ حكاية ذلك الطفل صبياً وكهلاً وربما شيخاً مع الشعر
ـ حدثنا عن بدايات كتابتك للشعر وانفتاق الموهبة.
كانت كتابة الحرف الأول في المرحلة الإعدادية تحديداً، بعد طفولة مليئة بكتابة المذكرات اليومية في نهاية كل يوم يمضي، وكأني أستشعر جميع المواقف التي تجري من حولي بالعلاقة الأسرية بين أفراد العائلة، والمواقف اليومية مع الزملاء في المدرسة، وكنتُ انتقائياً بكتابة المذكرات الأكثر إيلاماً وكأن الحزن متغلغل في اللاوعي ليفجر بعد ذلك بكثير قصائد كثيرة، كنتُ لا أمتلك أدوات الكتابة بطبيعة الحال، ولكن ما كنتُ أدركه تماماً في ذلك الحين أني كنت أجمع ما تبعثر من نفسي خلال النهار على الورق حروفاً بسيطة خلال الليل، حتى جاء اليوم الذي كتبت فيه مقطعاً نثرياً لم أقصد أن يكون أدبياً لأني كنت أخاف جداً من عالم الشاعر الذي لا يخلو من الألم المقيم أبداً في حياته رغم صغر سني في ذلك الوقت، ففوجئتُ حين ألقيتُه على صديقي الأقرب والذي كان أكبر مني سناً والمفارقة أنه كان أميّاً لكنه يمتلك إحساساً فريداً يجعله الوسيلة الوحيدة في تلقي جميع الأشياء؛ ليردَّ عليّ قائلاً: إنه شِعر، هل تدرك هذا؟
لم أدقّق كثيراً في تلك اللحظة، لكني علمت ذلك بعد سنوات حين دخلت المرحلة الثانوية وتعلمت أوزان الشعر فأصبحت شغفي الذي لم يزل يطغى على كل الأشياء
ـ كيف كان تعاطي المحيط القريب مع هذه الموهبة؟
كانت أسرتي لا تخلو ممن يمتلكون الموهبة، وكان منهم بنسبة كبيرة مَن هو مكباً على العلم، الأمر الذي هيّأ لي بيئة مناسبة للكتابة بالتشجيع عليها بشكلٍ مستمر، ولكن لا يعني هذا أني لم أحارب حرباً شعواء من المجتمع ككل، كيف لا إذا كان الشاعر يعيش في مجتمع يرى في الكتابة غلواً وابتعاداً عن الواقع الذي يفرض نفسه على تفاصيل الحياة الصعبة بجميع مقوماتها؟
فمنهم من لام أبي على فسحه المجال الكامل لي بالمشاركة والطباعة وحتى بإنفاقه المال عليّ بهذا الجانب، ومنهم من راهن على فشلي دراسياً حين رأى بالكتابة متسعاً لا أخلاقياً سيذهب بي إلى الهاوية، لتكون الكتابة حرباً بالنسبة لي إن خسرتها فسأخسر كل شيء، وبدأتِ الحكاية التي لن تنتهي ما دمتُ حيّاً وربما أن الشاعر هو الكائن الوحيد الذي لا يموت حين يترك إرثاً عظيماً كثر أو قل.
ـ إلام تعزو نضجك الشعري مع الوقت؟
النضوج الشّعري يعتمد على ماهيّة التجربة عموماً برأيي الشخصي، وعلى مثابرة الشاعر بتطوير أدواته أكاديمياً وحياتياً، وأدركت اليوم أني رغم صغر عمري في البداية كنتُ محقاً أن الكتابة تستجلب الألم، وتجعل القدر سخيّاً بالخيبات، لم أعلم في حينها أن تفكيري ذاك قائم على أن الشاعر شخص متمرد على الواقع حين لا يقبل إلا أن يراه بالصورة المثلى والتي لا تتحقق في الواقع مهما اجتهد الإنسان، مما يجعله في صراع مستمر مع ذاته، وهذا الصراع ضروري فهو الضمان الوحيد للكتابة، نصارع ذواتنا رفضاً لأمر ما فنكتب متعبين، ثم تأتي الراحة العظمى حين ننتهي من كتابة نص شعري، لكن سرعان ما يعود التوتر سيد الموقف لتنطلق بنا فكرة نص جديد وعليه يستمر التعب وتبتهج الكتابة.
ـ بمن تأثرت من الشعراء العرب؟
بحكم تخصصي بدراسة اللغة العربية وأنا حاصل على إجازة بها. فقد درست جميع مراحل الأدب العربي شغفاً لا علماً فقط، فتأثرت بجميع الشعراء وكنت أدقق بتجاربهم الشخصية، فكان الشعر الأندلسي ملهماً لي وكان يقابله بطبيعة الحال الشعر العباسي، فمن الطبيعي أن أتأثر جداً بأبي الطيب المتنبي، من ناحية القوة بكتابة النص الشعري، ولكن أثر فيّ جداً أبو فراس الحمداني بتجربته ونصوصه الخالدة، والتي وجدت بها نفسي خاصةً عندما يكون رقيقاً في البحر الطويل، الذي أخذتني الكتابة عليه بمعظم نصوصي، وحين كان نجم الشاعر ابن زيدون لامعاً خلال دراستنا، وجدت في أمير إشبيلية المخلوع المعتمد بن عبّاد متسعاً رحباً لعوالمي الخاصة، في مرحلتي الإمارة والأسر.
وبالتأكيد المعلقات ضالة كل ظامئ للإبداع، وحديثاً ظهر روّاد كثيرون تأثرتُ بهم، لكني بطبيعة الحال أميل إلى كتّاب القصيدة الكلاسيكية، ومبدعوها الذين حدّثوا بمضمونها دون شكلها كُثر لن نذكر بعضهم كي لا ننسى منهم مبدعاً
ـ أين تضع المرأة في خارطتك الشعرية؟
المرأة تعادل القصيدة قيمةً في نفسي، والقصيدة بالنسبة للشاعر هواه الذي لا يحيد عنه والرفيقة التي لا تخون العهد لابد أن ترافقني امرأة في كل قصيدة أكتبها لتكون تاجاً لكل قافية حتى وإن كنتُ أكتب للوطن أو أسافر في التاريخ ولطالما استحضرت في قصائدي نساء من الماضي البعيد. المرأة حالة التجلي الصافية التي تسكن خاطر الشاعر لحظة الإيحاء بالنسبة لأحمد عبد الرؤوف.
ـ هل لك طقس خاص عندما تكتب؟
لا ترتبط الكتابة بالنسبة لي بطقوس خاصة، ولا أؤجل إقبال القريحة بل أكون مضيافاً للكلمة حين تحل حاملة جمالها وأوجاعها، وربما أني أتقنت صنعة الشعر حين أستعرض به في بعض المواقف التي تستدعي ذلك فأكتب في الوقت الذي أشاء ليكون وقتها الشعر صديقاً لا يخذلني إن استنصرت به، ثم لا أجده يبخل عليَّ بوحاً صافياً تمتزج كلماته بكل ألم الروح في أغوار النفس البعيدة، فأجد الليل خير رفيق يؤنسنا سوياً
ـ حدثنا عن منتوجاتك ومشاركاتك الشعرية. ما كان وما سيكون؟
مشاركاتي الشعرية بدأت مبكراً منذ المرحلة الثانوية بالوقوف على عدة مسارح في جميع المدن السورية والتقدم لمسابقات أدبية حصلت بها على جوائز عديدة من خلالها على مستوى سوريا والحسكة على وجه التحديد، وربما أن المشاركة الأبرز كانت عام 2016، في مسابقة شعراء الشام في دمشق والتي مثلت بها المنطقة الشرقية وتم تكريمي ضمن أفضل أربعين شاعراً على مستوى سوريا، ونشرت في عدد من الجرائد والمجلات المحلية والعربية، كما صدر لي ديوان مطبوع تمت طباعته مرتين تحت عنوان “ليس لي” ولدي عدد من المخطوطات التي لم أجد حتى الآن الفرصة التي أطمح إليها لأقوم بطباعتها.
ـ كيف تنظر إلى الحراك الثقافي في شمال وشرق سوريا، وإلى أي مدى أثرت الأزمة السوريّة على الأدباء وإنتاجهم؟
بحكم التواصل المستمر مع الشعراء في شمال وشرق سوريا، تعرفت على عوالم الكثير منهم وتجاربهم الأدبية ووجدت بها متسعاً رحباً من الطمأنينة والرضا بأن هناك أسماء كبيرة ولكن لا يخلو هذا المتسع من ضيق شديد حين أجد أن الساحة ليست لهم بالقدر الكافي ليقودوا هذا الحراك الثقافي الذي يمثل المرآة لكل تفاصيل الحرب الدائرة في المستقبل البعيد، ثم إذا أمعنت في أسماء أخرى لا تمتلك الحد الأدنى من الأكاديمية الكافية لكتابة نص شعري نستطيع توثيقه كذلك، وبذات الوقت يسوّق لنفسه على أنه مبدع في الوقت الذي لا يجرؤ شاعر تمكن من أدواته بالإفصاح عن أنه شاعر لما تحمله الكلمة من مسؤولية تاريخية سيعرف بها ذات يوم حين تنقضي المرحلة بأكملها، أما عن سؤالك بتأثير الحرب على الشعراء فإني مع خالص الأسف وجدت بها مناسبة لغربلة الشعر وكتّابه إذا صحَّ التعبير.
ووجدت بمن يلقي اللوم على الحرب قصوراً كبيراً بالإدراك أو بالقراءة حين لا يذكر أن جميع الشعراء الذين ندرس أدبهم كانوا أبناء حروب أقسى مما نعانيه اليوم، فكانت الحرب ساحتهم الثقافية التي حفروا أسماءهم بساحاتها بحروف من عز ومن ذهب.
No Result
View All Result